ليس من رابط بين إحياء الذكرى العشرين لسقوط سور برلين هذا العام وافتتاح معبر الجلمة شمال جنين. فعلى خريطة العالم الجغرافية كل منهما يقع في قارتين ودولتين مختلفتين، لمن يرغب بأن يسمي فلسطين في حالها الحالي “دولة”. أما تاريخيا، فإن عمر جدار برلين قبل أن يسقط عام 1989 يفوق عمر معبر الجلمة الذي أقيم شمال غرب مدينة جنين بعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، ومن ثم تم تشييده وتوسيعه بتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية ال USAID بدوافعها ال “إنسانية” التي لا تحصى في منطقتنا، ليدشن رسميا يوم 9 نوفمبر من هذا العام والذي صادف أيضا الذكرى العشرين لسقوط جدار برلين.
رغم اتخاذ الفلسطينيين من ذكرى سقوط جدار برلين مناسبة لتذكير العالم بضرورة إزالة جدار الفصل العنصري الذي أقامه الاسرائيليون على أراضيهم، إلا أن مشاركتهم- أي الفلسطينيين- باحتفال تدشين “معبر الجلمة” الذي يشكل مقطعا من مقاطع هذا الجدار لا تتماشى مع هذا المطلب وهذا الخطاب، ومن شأنها أن تكرس بطريقة غير مباشرة شرعية وجود “الجدار” المقام على الأراضي الفلسطينية والذي من المفترض أن لا يكون أصلا.
لقد ارتسمت الابتسامة على وجه مبعوث الرباعية لعملية السلام في الشرق الاوسط طوني بلير وهو يقص شريط افتتاح معبر الجلمة “الحدودي” بين جنين والخط الاخضر برفقة نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي سيلفان شالوم. كان الاحتفال رسميا حضره عدد من الشخصيات الفلسطينية وكذلك نائب وزير الدفاع الاسرائيلي ماتان فيلنائي واعضاء كنيست وصفوا بالعرب، ولم يستثن من الدعوة رئيس المجلس الاقليمي لمستوطنات “جلبواع” داني عطار، كما ورد الخبر في عدد من الصحف والمواقع الاخبارية المختلفة. أشاد الحضور بجهود بلير البناءة، وتم تثمين دور الوكالة الاميركية للتنمية ل “إنجازاتها” ولإستكمال مشروع “الجلمة “كونه سيعزز التواصل الاجتماعي والاقتصادي” بين شطري الخط الأخضر، علما بأن الاسرائيليين لم يقيموا “الجدار” على حدود الرابع من حزيران عام 67، وإنما داخل مناطق الضفة الغربية ليبتلع مساحات شاسعة من أراضي الفلسطينيين ويقطع أوصال العائلات الفلسطينية ويعزلها عن أراضيها الزراعية التي تعتاش منها، الأمر الذي يعري حقيقة الإدعاء بأنه أقيم لأغراض أمنية.
بلير، وإن تناسى ذلك إلا أنه لم ينس أن يطالب الاسرائيلييين بفتح المعبر بشكل كامل على مدار الساعة. للوهلة الأولى ولمن لا يلم بخلفية إقامة معبر الجلمة أو لمن خانته ذاكرته القصيرة قد تبدو الصورة إيجابية وإنسانية، إلا أن تدشين “المعبر” الذي أبدت “الرباعية” اهتماما خاصا به، إن دل على شيء فهو استمرار توفير الغطاء الأوروبي والأمريكي للانتهاكات الاسرائيلية على أرض الواقع والبحث عن مخارج إنسانية حقوقية تحفظ ماء الوجه أمام الفلسطينيين. لا بد من أن نعي ذلك رغم شعور التضامن إزاء فرحة الأسر الفلسطينية من جانبي الخط الأخضر عند اللقاء، ورغم الفائدة الاقتصادية التي قد تعود على أهالي جنين.
بموجب افتتاح معبر الجلمة وبلغة الألوان سيكون بمقدور الفلسطينيين من داخل مناطق ال 48 الذين يحملون بطاقات هوية زرقاء المرور بمركباتهم التي تحمل لوحة أرقام صفراء الى الشطر “الشرقي” من الخط الأخضر، أي الى مناطق الضفة الغربية. ولكن من ناحية الفلسطينيين داخل الضفة الغربية فسيستمر الحال على حاله، وسيبقى الفلسطينيون رهناء الحصار الاسرائيلي. لن يسمح لهم بدخول “اسرائيل” لكسب الأرزاق أو للقاء عائلاتهم وأحبتهم داخل مناطق ال 48 إلا بتصاريح خاصة تقرر سلطات الاحتلال الاسرائيلي لمن تمنحها ومتى تشاء. هذا عدا كون فتح وإغلاق “المعبر” ومرور الفلسطينيين بالاتجاهين سيبقى خاضعا لإرادة ومزاجية الاسرائيليين كما عليه الحال في كافة “المعابر الحدودية” الأخرى .
إن معبر الجلمة هو بمثابة مقطع من مقاطع جدار الفصل العنصري الذي أقيم على مساحات واسعة من اخصب اراضي بلدة الجلمة الزراعية الواقعة داخل أراضي الضفة الغربية ويملك اصحاب البلدة مستندات ووثائق رسمية تؤكد ملكيتهم لها وهم لا يستطيعون الوصول الى أراضيهم التي يعتاشوا منها، سواء تم افتتاح معبر الجلمة على يد توني بليرأو لم يتم، حالهم حال آلاف العائلات الفلسطينية التي شتتها الجدار وعزلها عن أراضيها التي تشكل مصدر رزقها الوحيد.
لقد أحيا العالم هذا العام الذكرى العشرين لزوال سور برلين في ألمانيا يوم 9 نوفمبر/ تشرين الثاني، واتخذ الفلسطينيون من المناسبة فرصة للتأكيد على مطالبتهم المجتمع الدولي بالضغط على الاسرائيليين لإزالة جدار الفصل العنصري. تزامنا، كان الفلسطينيون يشاركون باحتفال تدشين “معبر الجلمة” بحضور رسمي اسرائيلي ودولي أمام وسائل الاعلام.
إن مطالبة الفلسطينيين العالم بالضغط على اسرائيل من أجل إزالة جدار الفصل العنصري من جهة، والمشاركة في الوقت ذاته بهذا الحدث يجسد حالة التناقض بين المطالب الفلسطينية أمام العالم، من ناحية والممارسة الفعلية، من الناحية الأخرى.
إن معركة إزالة جدار الفصل العنصري لا بد أن تكون حقيقية وصارمة في الخطاب السياسي والإعلامي الفلسطيني، بعيدا عن إقحامنا بالانشغال باحتفالات تدشين معابر. فزوال الجدار لا يخضع لحلول وسط، ولنتذكر بأننا تمكنا من استصدار قرار استشاري من محكمة لأهاي الدولية ينص على أن بناء الجدار الذي تقيمه إسرائيل على أرض فلسطينية محتلة مخالف للقانون الدولي، وهو قرار يشكل أساسا هاما في هذه المعركة إن تم تفعيله.


