على هامش النكبة...نكبة ثقافية |

على هامش النكبة…نكبة ثقافية

تاريخ النشر: أيّار، 2010

لن تساعد الانكليزية كثيرا في فرنسا. فبالعرف القومي الفرنسي تحتل الفرنسية المكانة الأولى حتى مع الزائر أو السائح الغريب. وإن أجدت الفرنسية، فذلك كفيل ببعض من دفء الترحيب الذي يثلج غربتك، ولربما تنال هزة رأس من أحدهم تعبيرا عن الإعجاب والثناء على إلمامك باللغة كونك من أصول غير فرنسية واجتهدت في تعلمها.

وإن كان الانغلاق اللغوي ملموسا عند الفرنسيين أكثر من غيرهم، إلا أن الانحياز للغة الام، بل التعصب لها، قائم عند الشعوب المختلفة عموما والغربية خصوصا، رغم كثرة ما قد يجمع بين الأمم من فكر وثقافة وحضارة.

 ليس بالضرورة أن تقضي لغة التحالفات الاستراتيجية السياسية أو الاقتصادية بين الدول والتقارب الثقافي بين شعوبها على اللغة الأم، فكل ينظر الى لغته الام على أنها محور ثقافته، وشكل من أشكال الهوية الخصوصية، وأداة لتعزيز مكانة الشعوب، ووعاء لأفكارها وحضارتها وتطورها الفكري، دون أن ينال هذا من رغبة الانفتاح على حضارات وثقافات ولغات أخرى. وأكثر من هذا فإن اللغة الأم هي شرط التفاعل المثري بين الثقافات. اللغة هي بالضبط ما تطوره علاقة التفاعل. إنها أداة التطور وموضوع التطور في الوقت ذاته.

في العام 1992، مثلا، نجحت اتفاقية “ماستريخت” بتتويج محاولات الأوروبيين المتكررة منذ الخمسينيات لإنشاء إطار يضم دول القارة الأوروبية وتم الإعلان عن تأسيس الاتحاد الاوروبي، إلا أن الدول السبع والعشرين المنضوية اليوم في عضويته لم تكن لتتنازل عن لغاتها الام لصالح استخدام لغة رسمية واحدة. إلى يومنا هذا، يتبنى الاتحاد الاوروبي ثلاثا وعشرين لغة أوروبية في وثائقة وإصداراته وبياناته وموقعه الإلكتروني، بما فيها اللتوانية والمالطية واللاتفية واللوكسمبورغية والمجرية. فقد كان “اليورو” أوفر حظا نسبيا بنيل الموافقة على التداول به كعملة موحدة من قبل ثلاث عشر دولة من مجموع الدول الاعضاء. 

لسنا هنا بصدد تناول هذا الموضوع، وإنما نتخذ من التقديم السابق مدخلا لعرض ما تتعرض له لغة “الضاد” من مخاطر الاندثار والذوبان في ثنايا لغات دول استعمارية تاريخيا في ظل وضع عربي مهلهل. فهل هذا الترهل قد أدى إلى إضعاف مكانة اللغة العربية وتآكلها؟! أم أن تراجع مكانة اللغة العربية قد أضاف إلى تردي وضع الأمة؟!

شهدت المنطقة العربية خلال السنوات الاخيرة انتشارا واسعا لمدارس أجنبية ربحية خاصة تعتمد الانكليزية لغة التدريس الأولى فيها قبل العربية التي تأتي في المرتبة الثانية وأحيانا الثالثة، هذا إن درست أصلا في العديد منها. 

لم تكن تلك المدارس بحاجة لكثير من الترويج في المجتمعات العربية ليلتحق بها قطاع من أبناء الأسر ميسورة الحال أو حتى شبه الميسورة، وإن كلف تعليم أبناء الأخيرة في تلك المدارس العمل على مدار الساعة لتأمين تسديد الأقساط والتكاليف المدرسية. فإتقان الانكليزية أولا هو الشعار المرفوع حتى ولو على حساب اللغة الأم وجيب الأب والأم. 

ورغم التأثير السلبي لهذه المدارس على عقول الشباب العربي، إلا أنه لا بد من التمييز بين فئتين منها:

أولا: مدارس أقيمت لخدمة الجاليات الاجنبية المقيمة في المنطقة العربية لأسباب العمل، وهذا حق لا يراد به باطل لأية جالية مغتربة تحرص على صون موروثها الثقافي والتربوي والحضاري ونقله لأبنائها.

ثانيا: مدارس أنشئت لأهداف لا تمت لرسالة التعليم النبيلة وبراءة النوايا بصلة، بل تستهدف ضرب الهوية الثقافية العربية في عمقها، من خلال اختراق الانتماء الوطني للشباب العربي وتشويه سلوكياته التربوية والاجتماعية، ودس مساقات تدريس لا علاقة لها بتاريخ وواقع الامة، واستيراد كم هائل من الطواقم الاستشارية و”الخبراء” الاجانب للاشراف على العملية التعليمية. كل ذلك كفيل بتحقيق الأهداف السياسية التي أنشئت من أجلها تلك المدارس. 

رغم هذا التمييز، يظل التنويه ضروريا إلى أن الانعكاسات السلبية واحدة بغض النظر عن المدرسة الأجنبية التي يتلقى بها الشاب العربي تعليمه. فالفارق بين الفئتين لا يتجاوز دوافع ومبررات إقامة تلك المدارس. لذلك، فإن صون اللغة والهوية الثقافية العربية للأجيال الشابة القادمة في وجه محاولات طمسها يبقى مسؤولية وطنية عامة يتحملها كل من الأسرة والدولة والأمة بالدرجة الأولى. 

فتلك المدارس تمكنت من استقطاب أعداد كبيرة من أطفال وشباب الغد. وما يزيد الأمر سوءا واستياءا هو تحول لغة التربية في البيت إلى لغة المدرسة الأجنبية أحيانا، بدلا من توجيه الأبناء وتحصينهم على الأقل من عملية السلخ الثقافي التي يتعرضون لها داخل المدرسة.

فقد اختار البعض من الآباء والامهات هجرة العربية ووجدوا في الانكليزية مظهرا من مظاهر الرقي الاجتماعي وأحد المؤهلات الأساسية لإشغال المناصب المرموقة. وراحت تلك المدارس تخرج عاما بعد عام نخبة من الشباب العرب المتحدثون بلغة أم شبه إنكليزية وبعربية دون أم… نخبة مشبعة إعجابا بما اكتسبت من ثقافة الغرب ومفعمة بحماس الدفاع عنها، لينقسم المجتمع “العربي” داخل البلد الواحد إلى مجتمعين ذي ثقافتين منفصتلين، كل منهما على طرفي نقيض، وكل يغني على ليلاه.

ليس عجيبا أن تستهدف مدارس تصدرها دول ذات باع طويل في استعمار الاوطان العربية الهوية الثقافية العروبية للأمة، وإنما المستغرب هو التقبل والتشجيع والرواج الذي تلقاه مثل تلك المدارس من صناع القرار وشرائح ليس بقليلة في المجتمعات العربية، بدلا من الاستعاضة عنها بإنشاء مدارس وجامعات عربية نموذجية تشكل قلاعا لحماية الهوية العربية للشباب من الاغتراب والضياع. والمشكلة انه جيل يتخرج بانجليزية تحاكي خارج السياق الثقافي الانجليزي، وبعربية عامية لا تمكن الطالب من التفكير المجرد بواسطتها. إن تعلم اللغات أصبح دون أدنى شك ضرورة من ضرورات الحياة، أما المعيب فهو تقبل احتلال لغات أخرى لمكانة اللغة الام عند الشعوب. إنه لانتقاص حقيقي من سيادة الأمة وكرامتها!

من السذاجة بمكان الاعتقاد- رغم التفاوت في الوضع الاقتصادي من بلد عربي لآخر- بأن العوائق أمام إنشاء مؤسسات تعليمية عربية هي مالية، بينما يجري استثار رأسمالي خاص منقطع النظير على بناء مدارس أجنبية وإستيراد “خبراء” تعليم من الخارج! أين القانون المحلي السيادي في تنظيم العلمية التدريسية وفي فرض البرنامج والأهداف على التعليم الخاص؟

فهل الانصراف عن العربية واللجوء للانجليزية سيجلب للأمة مبدعين ومخترعين وعلماء وعباقرة ورواد فضاء؟! لقد نما هؤلاء في كوريا واليابان وفرنسا، وحتى إسرائيل، باللغة الأم، او اللغة الوطنية. أم أن كتابة تاريخ الأمة ونكباتها ونكساتها وتحرير الأراضي العربية وإنقاذ عروبة القدس سيكون على يد من تتلمذ على أياد أجنبية؟!

لأنصار تلك المدارس يجدر بنا أن نذكر بالكم الهائل من الأسماء العربية التي برزت في مجالات هامة ومتعددة في الوطن العربي والمهجر قبل نشوء ظاهرة المدارس الاجنبية وخبرائها الذين يصولون ويجولون اليوم في البلاد العربية من المحيط إلى الخليج دون حسيب أو رقيب! هذا رد يصح لمن استوعب وصدق وناصر الذريعة بأن “المدارس الاجنبية تهيء الطالب العربي للمرحلة الجامعية إن شاء الدراسة في الخارج”. لا بد أننا سنجد بأن العديد من هؤلاء المبرزين العرب قد تتلمذوا في بلدانهم في مدارس عربية حكومية أو أهلية كان الفضل لها بتخريج أجيال من الشباب على مدار عقود عدة يشهد التاريخ على كفاءاتهم وتميزهم. 

لقد استغلت الإدارات الامريكية حادثة 11 سبتمبر عام 2001 التي أدانها العرب جميعا بشدة للكشف عن حقيقة استهدافها للتعليم في العالم العربي تحت شعار: “التخلص من الحقد والتحريض على الكراهية والعنف في المنطقة”. وتدفقت الأموال الأمريكية لتحقيق ذاك الغرض، ورهن كل من صندوق النقد والبنك الدوليين مساعداتهما للدول العربية والإسلامية بتغيير وتعديل مناهج التعليم واستبعاد ما لا يروق لها من مقرراتها.

إن التعليم يعمل على بلورة وعي الشعوب وصنع هوياتها وصياغة ثقافاتها ورسم مستقبلها. وفي الدول المتقدمة يعتبر المساس بالتعليم انتهاكا لأمن البلد القومي، ولذلك أول ما تستهدفه حروب الفكر والثقافة يكون التعليم، خاصة وأن الفئة المستهدفة في هذا القطاع هي الأجيال الشابة التي يمكن تجريدها مبكرا من تطلعاتها الوطنية واقتلاعها من جذورها القومية وسلخها عن ثقافتها وترويضها قبل فوات الأوان. 

هوية الاستعمار واحدة ولكن وجوهه متعددة، فلا يقتحم المستعمر بالضرورة الأبواب بجيوش ومدرعات وطائرات،  فبمقدوره الدخول بهدوء من الأبواب والتسلل من النوافذ طالما وجدها مفتوحة أمامه، والأبواب والنوافذ المفتوحة في المنطقة العربية أصبحت عديدة لا حصر لها، تسللت من خلالها اللغات ومساقات تدريس و”إبداعات” هوليوود وانتخابات من تصميم الأنكل سام وديمقراطيات مفصلة حسب الضرورات الأمريكية وجمعيات لحقوق الطوائف والاثنيات والأقليات ومعاهد أبحاث صممت على مقاس أميريكي، ومراكز لاستطلاع الرأي الخاص بحب الغرب ومطاعم “فاست فود”… إنها قائمة ملامح الاستعمار الجديد في الشرق الأوسط الكبير…لائحة تطول ولن تنتهي طالما لم يعلن أهل البيت عن وجودهم ومصالحهم. 

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة