القُدس وزيارات العرب |

القُدس وزيارات العرب

تاريخ النشر: نيسان، 2012

تُثير الزيارات التي قامت بها مؤخرا وفود عربية تضم شيوخا من اليمن وأقباطا من مصر للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة في القدس جدلا فلسطينيا وعربيا حادا. 

فالمعارضون لهذه الزيارات يرون أنها تؤدي إلى تطبيع العلاقات بين الدول والشعوب العربية  وإسرائيل، لأنها تتم بتأشيرة وتصريح دخول صادرين عن سلطات الاحتلال، بينما يرى مؤيدو تلك الزيارات وفي مقدمتهم الرئيس عباس أن عدم زيارة العرب للقدس يعني المزيد من عزلتها وتركها فريسة للاحتلال الإسرائيلي. 

وإن كان الجدل حول أهمية زيارات العرب للقدس أو الخشية من إسقاطات تلك الزيارات السياسية مشروعا وفي مكانه، إلا أنه من الصعب الحسم بأن أحدا من أصحاب كلا التوجهين يمتلك الحقيقة المنطقية المطلقة في المبررات التي يصوغها من أجل تسويق تأييده أو رفضه للمبادرة. 

ولربما يقدم الجدل القائم حاليا فرصة لنقاش أوسع وأكثر عمقا يقود الى اتخاذ قرار واضح في قضية طالما كان الموقف منها مبهما ومشوشا. وقد تمثل النقاط التالية مساهمة متواضعة في إثراء النقاش…

أولا: لا بد بداية من التأكيد على أن زيارة تلك الوفود لم تكن لتتم في وضح النهار وبهذه العجالة لولا الضوء الأخضر الممنوح من الرئيس الفلسطيني، وإن كنا ندرك أن عددا ليس بقليل من مبادرات التطبيع مع اسرائيل التي اتخذت أشكالا أخرى كانت تجري على المستوى الرسمي العربي، وأحيانا من خلال مؤسسات أهلية مدنية غير حكومية من تحت وفوق الطاولة، دون الحاجة الى دعوات علنية مباشرة من الرئيس أبو مازن.

ثانيا: بغض النظر عن كلا وجهتي النظر، فإن دعوة الرئيس الفلسطيني لزيارة القدس والتي وجهها من العاصمة القطرية خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر القدس قبل أقل من شهرين من شأنها أن تضيف إرباكا لحال العرب هم في غنى عنه في هذه المرحلة الحساسة التي تشهدها المنطقة العربية.

ثالثا: من الصعوبة بمكان اختزال التعاطي مع مفهوم التطبيع المتشابك بمنطق الأبيض أو الأسود أو بشكل شعاراتي ديماغوغي بسبب خصوصية وضع الفلسطينيين في القدس المحتلة وداخل “اسرائيل” أيضا، وهو وضع نتج بعد النكبة واحتلال الأراضي عام 48 ومن ثم النكسة واحتلال أراضي الضفة الغربية عام 67، ويجهل العديد من العرب حيثيات تلك الخصوصية وتفاصيلها “اللوجستية”، إن صح التعبير.      

رابعا: تحتاج القدس قبل توجيه الدعوة للعرب لزيارتها إلى عودة أهلها الأصليين الذين هجروا عنها قسرا الى مناطق السلطة الفلسطينية المحيطة منذ أوسلو وحتى اليوم، بفعل مصادرة هوياتهم وحرمانهم من حقوق الإقامة في المدينة وبناء الجدار العازل وإغلاق المؤسسات الوطنية فيها وانتقال مقراتها الى رام الله. فالقيادة الفلسطينية تتحمل جزءا من المسؤولية عن تفريغ القدس من أبنائها الفلسطينيين الأصليين نحو المناطق المحيطة الواقعة تحت نفوذ السلطة  الفلسطينية، وعن الأوضاع التي آلت إليها المدينة من تهويد. إن هذا من شأنه إضعاف جدوى دعوة الرئيس الفلسطيني العرب لزيارة القدس، طالما لا تقدم السلطة الفلسطينية على إعادة القدس الى مكانتها المركزية فلسطينيا أولا.

خامسا: إن اعتبار زيارة العرب للقدس “أمرا سياديا” خاصاً بالدّول كما أعلن أمين عام منظمة المؤتمر الاسلامي، د. كمال الدين إحسان أوغلو (صحيفة الشرق الأوسط/ 10  نيسان 2012)، يعني شرذمة الموقف العربي إزاء قضية يفترض أنها مركزية للعرب وتتطلب موقفا رسميا عربيا موحدا مجمعا عليه سواء كان الموقف داعما أو مناهضا للمبادرة. 

سادسا: رغم أهمية البعد الديني لمدينة القدس، إلا إن إخضاع دعوة الرئيس الفلسطيني لحرب فتاو تحرم زيارة العرب للقدس وأخرى تحللها، تنتقص من أهمية الجدل الجاري حول التطبيع كقضية سياسية بالدرجة الأولى. فالمواقف السياسية لا تحسم بفتاو تصدر عن رجال دين، وبالأخص في ظل كون الساحة العربية مفتوحة على مصراعيها على إصدار فتاو وفتاو مضادة تتعلق بشؤون الناس وسلوكياتهم عموما وانتشار واسع لاعلام فضائي ديني متعدد التوجهات ومتناقض التوجيهات يسخَر العديد منه أحيانا لخدمة أهداف أطراف سياسية متناحرة.

والأمر الأكثر أهمية هو سابعا: بإمكان إسرائيل التحكم بمسألة زيارة القدس. هذه إذا ليست استراتيجية، ولا يملك من يدعو إليها زمام المبادرة. فيمكن لإسرائيل ان توقف الزيارات متى تريد وبحق من تريدـ تماما كما تمنع حتى متضامن أميركي من الدخول عبر مطارها. وهذا يعني أن إسرائيل سوف تسمح بهذه الزيارات حين ترغب وتستفيد وسوف تمنعها حين تريد. فماذا نفعل بعدها؟ أنطالبها بحق الزيارة؟! لن يبقى من كل هذا إلا تطبيع السيطرة الإسرائيلية على القدس. وهو التسليم الذي تنطلق منه هذه الدعوة في الواقع، مشبهة الأمر ببساطة بزيارة سجين بدوافع  إنسانية. 

فحين يزور المرء سجينا في سجن، فإنه لا يدعي بالضرورة أن هذه الزيارة تخدم الصراع مع السجان، أو تضعف سيادته على الأرض، بل تقوي معنويات السجين، بينما تبقيه سجينًا. وطبعا التشبيه المبسط هنا هو تشبيه تبريري استخدمه الرئيس أبو مازن. ولن يلتزم احد به. 

فمن يأتي لزيارة القدس تحت الاحتلال هو غالبا ممن لديه اصلا موقف تطبيعي، ولم تفعل هذه الدعوة سوى تقديم تبرير له. وسوف يقول كل من سيحضر للتطبيع مع إسرائيل وربما لأهداف أسوأ، انه آت للتضامن مع الفلسطينيين، اليس ذلك من حق السجين؟ فأي باب فتحته هذه الدعوة؟ وكيف يضبط؟

    قد يكون الدافع وراء دعوة القيادة االفلسطينية العرب لزيارة القدس عفويا أو ناجما عن الشعور بالتقصير المتراكم تجاه القدس وأهلها، ولكن مهما تكن الدوافع، فللمبادرة أبعاد سياسية تتطلب الدراسة والتمحيص بنتائجها وعواقبها. وهي خطوة أكبر من أن يعلن عنها من خلال منبر خطابي دون سابق إنذار ونقاش فلسطيني عربي مستفيض يأخذ بالحسبان سلبياتها قبل إيجابياتها، خاصة وأن المنطقة العربية تمر في مرحلة مخاض سياسي تاريخي غاية في الأهمية والحساسية والتعقيد، ستعود معه بالضرورة القضية الفلسطينية إن عاجلا أم آجلا الى الواجهة. 

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة