أولا: في التدويل…
ما كان الجدل حول تدويل الأزمات العربية ليتصاعد ويحتد لو لا يحتمل المفهوم في مدلولاته تفسيرات متنوعة واجتهادات متباينة، تنقلب وتتبدل وفق المتغيرات السياسية التي تحيط بها…ذلك حتما يتسبب بالمزيد من التعقيد في إيجاد إجماع حول مضامين “المفهوم”، خاصة إن لم يجر تفكيكها علميا وموضوعيا.
وما كان لهكذا خلاف حول المفهوم ليحتدم، أيضا، لولا أن العديد من مواقف المجتمع الدولي بحق الشعوب العربية وقضاياها طالما كانت هزيلة ومتخاذلة وحافلة بالـتآمر عبر التاريخ.
لكن التمترس وراء الشعار الداعي للتدويل لحل الأزمات العربية أو رفض التدويل أحيانا يكون ضحلا وعاطفيا ومجردا من التحليل المنطقي وبعيدا عن حقيقة مصداقية مؤيديه ومناهضيه على حد سواء.
لقد نشأ مفهوم التدويل مع فكرة تطلع العالم إلى إقامة تنظيم دولي يكون مرجعية تنظيم العلاقات بين الدول والأمم. وعلى اثر الفكرة تأسست الأمم المتحدة التي انبثق عنها فيما بعد هيئات دولية متعددة لتحقيق هذا الغرض، كالجمعية العمومية ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية. وفيما بعد، أنشأت الأمم المتحدة منظمات دولية متخصصة تابعة لها في سائر أنحاء العالم… في التنمية والصحة والتعليم والأمن الغذائي والبيئة والمرأة والأمومة والطفولة وحقوق الإنسان وغيرها.
وداخل أروقة تلك المؤسسة الدولية التمثيلية تتخذ القرارات على اختلاف طبيعتها وتنوعها وسلبياتها وإيجابياتها لتتحدد مصائر شعوب وسياسات دول. فهناك، وللمفارقة الملفتة، لا تتخذ القرارات المتعلقة بتكريس السلم العالمي فقط، فحسب، وإنما قرارات شن الحروب أحيانا، وهناك يعترف بحقوق شعوب، بينما يتم تجاهل حقوق شعوب أخرى، وهناك يقر صرف معونات مالية لجهات ما، بينما تفرض عقوبات اقتصادية على جهات غيرها، إلى ما ذلك من قرارات متناقضة، منها ما قد يخلف آثارا بناءة على الأمم والشعوب، ومنها ما قد يتسبب بدمار ومعاناة للبشرية يمكن أن تمتد الى سنوات وعقود عدة.
وتعود التباينات في طبيعة القرارات التي تتخذ داخل تلك الهيئات الدولية التمثيلية إلى موازين القوى السياسية والاقتصادية السائدة داخلها ومصالح الدول الأعضاء فيها، الأمر الذي يؤدي أحيانا إلى تكريس الظلم بدلا من إحقاق العدل، وإلى انتشار العنف بدلا من تحقيق الأمن، وازدياد الفقر بدلا من تحسين المستوى المعيشي للشعوب، واستشراء الفساد بدلا من تعزيز الحكم السليم… هذا عدا أن العديد من القرارات التي اتخذت لإنصاف الشعوب كثيرا ما تحولت الى مجرد أرشيف توثيقي دون تطبيق على الأرض.
بلا أدنى شك، فإن ما ذكر آنفا قد جعل “التدويل”، موضوعا جدليا برزت معالم الخلاف والاختلاف حوله بوضوح مع اندلاع ثورات “الربيع العربي”، وتسبب بكم من تراشق الاتهامات والتجريح إعلاميا وسياسيا بشكل ملحوظ مؤخرا.
فهناك من يرى في تدويل القضايا العربية المستعصية حلولا، بينما ينظر آخرون إليه كشكل من أشكال الاستعمار الذي يزيد الأزمات العربية تعقيدا. رغم هذا وذاك، لا يترتب علينا بالضرورة وجوب التسليم بمثل هذه المبررات تلقائيا وعفويا دون التمحيص بدرجة مصداقيتها وجديتها. فالتاريخ والتجربة يثبتان أن المواقف والأدوار، والقيم أيضا، قد تتغير وفق ميزان الكسب والخسارة السياسي.
وإن كُنّا قد شاهدنا أنظمة تضطهد شعوبها ترفض فكرة التدويل بحجة عدم موضوعية المجتمع الدولي إزاء القضايا العربية، وتعتبره تدخلا سافرا في شؤونها الداخلية، وتتخذ من ذلك ورقة توت تغطي بها سياستها القمعية بحق شعوبها ووسيلة للتمسك بالسلطة في وجه أي محاولة لنزع الشرعية الدولية عنها، فإن هناك من المعارضات السياسية والتي نشأت في ظل ثقافة الهيمنة والتسلط لتلك الأنظمة تستخدم المطالبة بالتدويل لدوافع انتهازية ذاتية صرفة ورغبة بانتزاع السلطة.
أما نبض الشعوب، فغالبا ما يكون الحقيقة الثابتة التي لا يمكن الطعن بمصداقيتها في المعادلة، لأن الشعوب عندما ترفع الشعار الرافض لفكرة التدويل، فهي تنطلق عفويا وفعليا من الظلم الذي طال شعوب المنطقة من المجتمع الدولي، وعلى رأس ذلك مواقفه من القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للفلسطينيين.
وإن وجدت إستثناءات، كما الحال لكل قاعدة، فناجمة عن شعور الشعوب العميق بالمرارة إزاء انسداد الأفق أمام إيجاد حلول لأزماتها مع أنظمتها، داخليا او في إطار البيت العربي، مما يحمل المعارضة، مثلها مثل الأنظمة، المسؤولية التامة عن توجه الشعوب نحو المطالبة بالتدويل لحل إشكالياتها الداخلية.
إلا أن مفارقة ثانية هي أن نرى شعوبا ثارت في وجه الاستبداد وطالبت بالتدويل، سواء بشكله السلمي/ اللاعنفي، أو العسكري/ العنفي، إن صح التعبير، تلجأ في نهاية المطاف الى استخدام الأساليب القمعية ذاتها التي مورست على أيدي الأنظمة ضدها لتحقيق أهدافها في التخلص من الظلم والقهر، مما يضيف إلى حالة القلق و”التشاؤل” التي نشعر بها.
ثانيا: في التطبيع…
يلتقي التطبيع مع التدويل من حيث ضبابية وتشابك مضامينه. فمنذ “أوسلو” يخضع تفسير “المفهوم” الى إرباك، ويستمر الجدل حوله في ظل غياب استراتيجية تحلل المسموح وتحرم الممنوع، أو ترسم، على الأقل، خطوطا حمراء يعتبر تجاوزها جرما بحق الذاكرة التاريخية الفلسطينية.
وفقط منذ أيام قليلة مضت، تجدد جدل التطبيع على الساحة الفلسطينية على خلفية محاولة عقد لقاءات فلسطينية/ اسرائيلية مشتركة في القدس الشرقية المحتلة، تم التصدي لانعقادها، ولقاء أكاديمي آخر مشترك كان قد جرى في مستوطنة (أرئيل) جنوب غرب نابلس، تحت شعار (أفضل خطة للسلام).
وقائمة المبادرات الفلسطينية/ الاسرائيلية المشتركة، على اختلاف أنواعها، التي تثير جدل التطبيع فلسطينيا وعربيا، تطول وتتفرع من حين لآخر بشكل لا يمكن معه رؤية الغابة من كثافة الأشجار.
إن الجدل حول التطبيع يتجاوز الفلسطينيين ويحتل حيزا هاما في الساحة العربية أيضا. ولنا أن نستحضر هنا وقفة الجمعة الاحتجاجية التي نظمها التونسيون في الثلاثين من شهر كانون الأول الماضي أمام المجلس التأسيسي التونسي تحت عنوان “جمعة تجريم التطبيع مع إسرائيل”. كما لا زلنا نذكر اقتحام ثوار ميدان التحرير في القاهرة مبنى السفارة الاسرائيلية وإنزال العلم عنه في التاسع من أيلول العام الماضي.
إن خطوات كهذه تعول ضمنيا وتلقائيا على أهمية الدور الفلسطيني في بلورة استراتيجية واضحة من التطبيع وإصلاح العطب المفاهيمي الذي حصل خلال الأعوام الماضية على أثر التوقيع على اتفاق أوسلو وتشكل السلطة الفلسطينية، خاصة في ظل المتغيرات التاريخية والسياسية الحاسمة التي تشهدها المنطقة العربية.
فالغياب المستمر لحالة الخلط بين ما يعتبر تطبيعي وغير تطبيعي من فعاليات في هذه المرحلة الحاسمة سيلقي بظلاله على طبيعة العلاقات العربية/ الاسرائيلية مستقبلا إن لم يتخذ الفلسطينيون زمام المبادرة للعب دور ريادي في إجراء عملية جرد وفرز جدية بين فعاليات مشتركة تشكل غطاءا ورديا للاحتلال وتقع تحت خانة التطبيع، وأخرى تتخذ طابعا تضامنيا فعليا للاحتجاج على استمرار وجود الاحتلال والمطالبة بدحره.
يعتبر حسم المواقف من قضايا طالما بقيت شائكة ومتشعبة المضامين أكثر إلحاحية من أي وقت مضى، إن لم يكن من أجل الحاضر، فمن أجل المستقبل والاجيال الشابة العربية الناشئة.
فمهما شاب المشهد العربي الحالي من إرباك سياسي إنتقالي، وإن بدت القضية الفلسطينية على هامش المستجدات في المنطقة في هذه المرحلة، إلا أن فلسطين طالما أثبتت أنها كامنة في الوجدان الشعبي العربي.
ولن تستطيع تصريحات تأتي خجولة ومتلعثمة على لسان قيادات أفرزتها ثورات “الربيع العربي”، عندما تضطر تلك القيادات للإجابة عن طبيعة علاقتها المستقبلية مع إسرائيل، أن تقتلع رغبات الشعوب وطموحاتها.
فلقد أثبتت الثورات أن الشعوب، والشعوب فقط، هي البوصلة السياسية الأساسية التي على القيادات الاقتياد بها، وأن أي انحراف لتلك القيادات عن مسار إرادة الشعوب سيؤدي في نهاية المطاف إلى عدم نجاحها وسقوطها في الامتحان القادم.


