الحِساب |

الحِساب

تاريخ النشر: تشرين ثاني، 2012

“جون ديميانيوك” أو “إيفان الرهيب”… هل تذكرون هذا الاسم؟

لا اريد أن أعكر صفو مزاجكم هذا الصباح، أو فرحة عطلة الجمعة بعد ليلة طال انتظارها وترقبها الفلسطينيون في كافة أماكن تواجدهم، ولكن، الاسم يستحضرني، اليوم، بعد أن تمّ بالأمس التصويت بأغلبية كبيرة على قرار قبول عضوية فلسطين كمراقب في الأمم المتحدة. نعم، يستحضرني… ولكن، ليس من باب الاعجاب بنازيته أو التشفي بمحرقة “جيراننا اليهود” الذين أقاموا جدارا قبيحا بيننا وبينهم، أو من باب إثارة التشكيك بالمحرقة أو التحريض الفكري حول صحة عدد ضحاياها، أو لمقارنة ما تعرض له اليهود على أيدي حلفائهم الأوروبيين مع الانتهاكات الاسرائيلية بحقنا، نحن الفلسطينيين…ليس لواحد من تلك الأسباب، أبدا… 

لا بد من هذه المقدمة من باب التوضيح وكي لا يساء الفهم. فلا حضارتنا ولا قيمنا ولا مثلنا تسمح لنا بذلك، كما وأنني لست ممن يركضون كالقطيع وراء كل من رفع شعار “الغرب الشيطان الأعظم” بدون تفنيد حقيقة “الشيطنة” وتعريتها، عقلانيا، من ألفها إلى يائها. 

استحضر اسمه لسببين فقط، أولهما، لأن اسم “إيفان الرهيب” ارتبط بما ارتكبه من جرائم بحق عشرات آلاف اليهود في العام 1943، في ما يعرف في التاريخ ب”المحرقة”، والتي اتخذ منها الاسرائيليون مبررا للاستئثار بتعاطف الغرب وتضامنه، بغض النظر عن ممارساتهم بحق الفلسطينيين وتنكرهم للحقوق الفلسطينية على مدار أكثر من ستة عقود مضت. 

أما السبب الثاني الذي يجعلني أتذكر الاسم، فهو لارتباطه بآخر أطول محاكمات القرن الماضي وأكثرها إثارة لجدل شهدته الساحة الدولية. كما أنها من أكثر المحاكمات تنقلا بين قارات العالم. فمن أمريكا إلى “إسرائيل” فعودة إلى أمريكا، قبل أن تنتهي في ألمانيا، الدولة الأوروبية التي “تنازلت”، بعد جهود فلسطينية حثيثة، عن معارضة التصويت إلى جانب قبول عضوية فلسطين لتمتنع عنه في ما بعد.

لمن لا يعرف “جون ديميانيوك” أو إيفان “الرهيب” أو “المروع”، كما وصف، ولمن خانته ذاكرته ونسي الاسم، ف”الرهيب”، كما قيل، كان أوكراني الأصل وحارس أحد معتقلات بولندا النازية وشارك بقتل عشرات آلاف اليهود العام الخامس الذي سبق نكبة الفلسطينيين في العام 1948.استمرت محاكمة “الرهيب” لعقود.  فبعد أن فقد جنسيته الأميركية في عام 1985 بسبب “كذبه” بشأن ماضيه، تم ترحيله إلى “إسرائيل”، لتبدأ في العام 1988 جولة أخرى من المرافعات القانونية استمرت حتى عام 1993 وانتهت  بإسقاط الإدانة وعقوبة الإعدام عنه. إلا أن ديميانيوك، وبعد عودته إلى الولايات المتحدة، تم ترحيله بعد سنوات أخرى من المرافعات القانونية إلى ألمانيا عام 2009 من أجل الخضوع لمحاكمة أخرى، حضرها على كرسي متحرك، وانتهت عام 2011 بإدانته، والحكم عليه بالسجن لخمسة أعوام وهو في نهاية عقده الثامن… لم يكمل “الرهيب” سنوات حكمه في السجن، حيث أعلنت الشرطة الألمانية عن وفاته في آذار العام الحالي. 

هذه ليست رواية من صنع الخيال، أو فيلما سينمائيا من إنتاج هوليوود، وإنما قصة حقيقية بمكانها وزمانها وشخوصها، فيها الكثير من العبر وغنية بالمغازي التي يمكن أن نستعين بها، اليوم، وبعد الانتصار المعنوي الكبير الذي تم تحقيقه بالأمس…

لنقرأ الماضي جيدا ونستشعر من خلاله كيف ندير المستقبل، قبل أن نقدم على أي خطوة غير محسوبة.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة