ما بين الكيماوي السوري والذّري الإسرائيلي |

ما بين الكيماوي السوري والذّري الإسرائيلي

تاريخ النشر: أيلول، 2013

لماذا لم يحمل “كيري” و”لافروف” في جيبهما مبادرة انضمام “اسرائيل” لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة الذرية وذهبا ليقنعا الجانب الاسرائيلي بها، كما فعلا مع النظام في سوريا، بدلاً من اللجوء إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ليُبت في الأمر هناك؟! 

ومن منّا كان ليتوقّع أن يمّر قرار إدانة الجانب الإسرائيلي على امتلاكه للسلاح الذرّي وأن يتجاوب الإسرائيليون بسهولة وبسرعة مع الدعوة لانضمامهم إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة الذرية كما فعل النظام في سوريا، حتى وإن كان الروس قد دعموا مشروع القرار الذي تقدّمت به المجموعة العربية لوكالة الطاقة الذرية؟ 

أكاد أجزم أن أحداً منّا لم يرفع سقف توقعاته إلى هذا الحد. حتّى كثيرين من أولئك الذين نجح الروس بخديعتهم وإيهامهم بأن روسيا حليف “حقيقي” يقف إلى جانب سوريا، سوريا النظام طبعاً، ويمكن التعويل عليه في مواجهة الجانب الاسرائيلي سياسياً ودبلوماسياً، على الأقل، يشككون في ذلك، إن لم يكن جهراً، ففي باطن أذهانهم.

فعندما يتعلق الأمر ب”إسرائيل” وأمنها، لا يرى الغرب، بمن فيهم الروس، فرقاً بين عربي وعربي آخر. ومن يظن غير ذلك فهو واهم وضلّ طريقه.  

لمن تتبّع، بدقة، آليتي اتخاذ “القرار” في الحالتين ، أولهما، آلية اتخاذ القرار الذي أعلن النظام بموجبه عن موافقته تسليم أسلحته الكيميائية وانضمامه لمعاهدة حظر الأسلحة الكيميائية،  ومن ثمّ، آلية اتخاذ القرار الثاني، الذي أسقط قبل أيام مشروع اقتراح كانت قد تقدمت به المجموعة العربية بدعم من روسيا لوكالة الطاقة الذرية الدولية يدين امتلاك “إسرائيل” للسلاح الذري ويدعو الأخيرة إلى الانضمام لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة الذرية، سيجد فرقاً جوهرياً هاماً يستأهل التأمل… 

ففي الحالة الأولى، حمل “لافروف” بعد قمة العشرين مبادرة “بوتين”/ “اوباما” المشتركة  “في جيب سترته” وذهب بها لوليد المعلم وبحثها معه بشكل ثُنائي ومباشر، ليُطلّ علينا  بعد ساعات قليلة مندوب سوريا في الأمم المتحدة، “بشّار الجعفري”، معلناً في مؤتمر صحفي من نيويورك قرار قبول سوريا وضع أسلحتها الكيميائية تحت الرقابة الدولية والانضمام لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية. ولم ينته الأمر عند هذا الحد. فقد ذهب النظام، من ثمّ وخلال فترة وجيزة إلى أبعد من ذلك ليُقدّم  كشفاً مفصّلاً بالأسلحة الكيميائية التي يمتلكها استعداداً لتفكيكها! 

نستطيع وصف حقيقة ما جرى هنا بالقول أن قضية استراتيجية على قدر كبير من الأهمية والخطورة كهذه، قد تمّ التوصل إلى اتفاق بشأنها بين “لافروف” ووليد المعلم “على فنجان قهوة”، إن صحّ التعبير، أي بدون جهد ووقت كبيرين يستحقان الذّكر. 

فلم يكد يمضي أسبوع على إعلان “أوباما” والأوروبيون عن نيتهم توجيه ضربة عسكرية للنظام حتى بدأت الأطراف الإقليمية والدولية المختلفة حراكاً دبلوماسياً وسياسياً حثيثاً ملحوظاً لاحتواء الحماس للضربة والتوصل إلى حل سياسي، ولو مرحلي، يُجنّب السوريين الضربة العسكرية الغربية، توّجّه “الجعفري” بالإعلان عن استعداد سوريا وضع ترسانتها الكيميائية تحت الرقابة الدولية استعداداً لتفكيكها، والانضمام لمعاهدة حظر الأسلحة الكيميائية.   

هل كان “لافروف” و”كيري”، ليجرؤا على اتباع الآلية ذاتها مع “نتنياهو” في الحالة الثانية؟  ولو فعلا ذلك، هل كان “نتنياهو” وحكومته وشعبه ليسمحوا له بذلك بسهولة كما حصل مع النظام الذي اتخذ القرار خلال ساعات قليلة بتفرد مطلق، بعيداً عن المرجعيات التمثيلية الرسمية والشعبية السورية المُغيبة أصلاً عن دوائر صنع القرارات السياسية والاستراتيجية الخاصة بسوريا؟! 

بالتأكيد لا… فلطالما انتهج الغرب سياسة مختلفة ومتخلفة معنا، نحن العرب. فإذا كنّا نحن بأنفسنا من نغيّب مرجعياتنا عن صنع القرار السياسي، فلماذا يلجأ “لافروف” و”كيري” والأوروبيون لاتباع الآليات الديمقراطية المتعارف عليها معنا؟!… أليس من الأفضل لهم الف مرّة التعامل معنا وفق الثقافة السياسية السائدة عندنا؟! ثقافة تغييب المؤسسات الرسمية والشعبية واختزال دورها “التمثيلي” في مدح الرئيس والتصفيق له من حين لآخر. 

دعونا نعود للسؤال مرّة أخرى لأهميته… هل كان “كيري” و “لافروف”  ليذهبا الى “نتنياهو” بنفس الطريقة التي توجهّا بها للأسد وينتزعان منه قرار قبول اسرائيل الانضمام إلى معاهدة “حظر انتشار الأسلحة الذرية”، بدلاً من إسقاط قرار الإدانة داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟! 

طبعاً لا، وذلك لسببين إضافيين على ما ذُكر سابقاً…

أولاً، لأنهما يُدركان، تماماً، بأن الاسرائيليين هم ليسوا عرباً، والعرب ليسوا كالإسرائيليين والفارق بينهما كالفارق بين السماء والأرض عندما يتعلق الأمر بآليات اتخاذ القرارات، خاصة إن كانت قرارات ذات أبعاد سياسية واستراتيجية هامة كهذه. 

ف”اسرائيل”، من وجهة نظرهم هي “دولة”، ذات “سيادة” حقيقية وليست شكلية…دولة قائمة على مؤسسات شرعية تمثيلية، فعلياً، تحترم مبادىء الديمقراطية وحقوق الإنسان ومواطنية مواطنيها من “اليهود” (حتى وإن كان الأمر مختلفاً عندما يتعلق بحقوق الفلسطينيين بالنسبة لهم). ذلك بحد ذاته قد مكّن الإسرائيليين، بدوره، من فرض احترام الآخرين للقرار الاسرائيلي المستقل الذي يُتخذ “ديمقراطياً”. 

فهنا “الدولة” حقيقية بالنسبة للغرب. هي ليست “دولة” بالمفهوم العربي للكلمة، أي هي ليست دولة يرأسها “مخاتير” أو “زعماء قبائل” أو “أصحاب مزارع خاصة” فاسدون يُمكن انتزاع  أهم وأخطر القرارات منهم على فنجان قهوة أو صحن كنافة! 

السبب السابق يقودنا بدوره إلى الدافع الثاني وراء تفضيل هؤلاء، خاصة من يدّعون صداقة العرب، اللجوء لاتخاذ القرارات المتعلقة ب”إسرائيل” داخل الأطر التمثيلية الدولية ذات العُلاقة. فاعتماد الآليات هذه كفيلة بأن تمنح الغطاء المطلوب لهم على تقاعسهم في اتخاذ مواقف صارمة حقيقية لصالح العرب، شعوباً وقادة على حد سواء. كما أنه يساعدهم من ناحية أخرى، في التملص من ممارسة الضغوط على الجانب الاسرائيلي وفرض أي قرارات عليه بالطريقة ذاتها التي اتّبعوها مع النظام، خاصة وأنهم مدركون، تماماً، لحجم تعنت الجانب الاسرائيلي مقارنة مع المرونة البالغة التي يُبديها قادة الأنظمة الاستبدادية من العرب عندما يتهدد الخطر سلطتهم ونفوذهم. كما أن ذلك يمكّن هؤلاء من الادّعاء بكل بساطة وسذاجة متعمدة، بأنهم ليسوا مسؤولين عن إسقاط قرار يدين امتلاك “اسرائيل” للسلاح الذري اتُخذ “ديمقراطياً” ومن خلال التصويت الحر داخل المرجعيات التمثيلية الدولية ذات العلاقة.

لذلك، فشكوانا المزمنة من أن “الغرب هو هكذا دائماً ضدنا” والاستمرار بالندب واللطم على حظنا البائس من الغرب لا يُغني ولا يُسمن، طالما لم نأخذ على عاتقنا مسؤولية مراجعة الأسباب التي جعلت الغرب ينتهج سياسة “قلة الاحترام” هذه تجاهنا، وطالما تغاضينا عن الواقع المخزي هذا الذي أوصلتنا إليه أنظمة الديكتاتوريات العربية. 

لا بدّ من وضع حد لنظرة الغرب الدونية هذه إزاء طموحات الشعوب العربية التي اعتادوا عليها بفضل هؤلاء المُستبدين.  

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading