لنضع رأينا في مهنية وموضوعية ومصداقية الفضاء الإعلامي “الإخباري” العربي جانباً للحظة ونتساءل، “ما قيمة إعلام يتحول إلى مجرد “بوق ضحل”، ينقل لنا خبراً مجرداً من ملابسات الحدث وحيثياته؟! خذوا، على سبيل المثال “البسيط” لا الحصر، خبر يتناول حادث سير على إحدى الطرق… ماذا سيعني خبراً كهذا ما لم يأخذ بالاعتبار مجموع التساؤلات التي ستتبادر إلى ذهن المُتلقي؟… “كيف” و”أين” و”متى” و”لماذا” حدث ذلك، ومن المسؤول، وهل من ضحايا، من هم وما عددهم؟!
تدّعي السلطة الفلسطينية بأن لجنة التحقيق الوطنية التي شُكّلت بعد وفاة الرئيس الفلسطيني “ياسر عرفات” كانت على علم، منذ العام 2005، بأن الوفاة لم تكن طبيعية، وإنما اغتيالاً وبأن قناة “الجزيرة” لم تأت بجديد.
حسناً، فليكن. فليكن ذلك….لنتفق مع السلطة الفلسطينية بأن ذلك ما حدث، فعلاً. لنسلّم بأن “السّبق الصحفي” لا يعود لقناة “الجزيرة”، وإنما للجنة الوطنية التي كُلفت بالتحقيق قبل ثماني أو تسع سنوات. مع ذلك، فهذا لا يمكنه أن يسحق الفارق بين تعاطي السلطة مع “الجريمة” كمجرد حدث سياسي، إعلامي عابر، وبين تعاملها معها كقضية خطيرة تتطلب المتابعة، جدّياً، وتقع على سُلّم عمل الأولويات الوطنية بكافة أبعادها السياسية والقانونية والإعلامية.
من هنا فقد جاء دور “الجزيرة”، سواء شئنا أم أبينا، ليدفع بثغرة التقصير هذه إلى السطح، ولتظهر “القناة” وكأنها السبّاقة في كشف جريمة على هذه الدرجة من الخطورة.
بغض النظر عن حقيقة أهداف “الجزيرة”، وبمعزل عن المواقف المُتباينة من “القناة”، اليوم، فالأخيرة قد أخذت على عاتقها مسؤولية الدخول في دهاليز متابعة وتوثيق الحدث. وهو دور كان مُتوقعاً من السلطة، ووسائل الإعلام الأخرى، أيضاً، أن تقوم به منذ لحظة إعلان لجنة التحقيق الوطنية عن الجريمة. أما وأن عملية “البحش” والنبش والبحث قد تُركت حكراً على جهة إعلامية واحدة، فهذا لا تتحمل مسؤوليته تلك الجهة. كما أنه يدفعنا بدوره إلى تسجيل بعض الملاحظات انطلاقاً من حيث نقف الآن…
أولاً: إن جريمة اغتيال الرئيس الفلسطيني “ياسر عرفات” يمكن اعتبارها ثلاثية الأبعاد، إن صحّ القول. ولكن، من الصعب التعاطي مع ابعادها الثلاثة كرزمة واحدة موحدة. فكل بُعد له خصوصيته الإجرائية والقانونية والسياسية والإعلامية، وليس ضرورياً أو إلزاماً أن يكون التعاطي مع الأبعاد الثلاثة تلك بشكل متزامن ومترافق ومتوازي، أيضاً.
ثانياً: البعد الأول يتناول عملية “التخطيط” للجريمة، حيث اصبح معلوماً لنا، استناداً إلى التقرير السويسري على الاقل، بأن الرئيس “ياسر عرفات” قد قضى مسموماً بمادة “البولونيوم” المشّعة التي لا تمتلكها سوى بضع دول من بينها اسرائيل. إذن، نستطيع أن نجزم، هنا، بأن جريمة اغتيال قد وقعت، فعلياً، أي أن الكشف عنها، “عملياً” و”علمياً”، قد انتهى، وإن كان التقرير الروسي لم يجزم لنا ذلك والثاني، الفرنسي لم يتم استلامه حتى الآن. في الحالتين لا زلنا نجهل الأسباب. على هذا المستوى، أو فيما يتعلق بهذا البعد، فإن أمام السلطة الفلسطينية طريقان… الأول، إمّا البدء الفوري بالإجراءات القانونية “العملية” الواجبة استعداداً للتوجه للمحاكم الدولية بالاستناد إلى نتائج التقرير السويسري الذي لا مصلحة للسويسريين بفبركته، وهذا مطلب شعبي لا يختلف عليه فلسطينيان. أمّا الخيار الثاني، فهو دفن القضية بسرّها مع “أبو عمّار” وإغلاق الملف نهائياً، و”يا دار ما دخلك شر”. وبهذا، تكون السلطة قد وضعت نفسها أمام شعبها بموقف، أقل ما يمكن أن يوصف أنه مُخزي ومتقاعس.
ثالثاً: ننتقل إلى البعد الثاني وهو متعلق بآلية “تنفيذ” الجريمة…فهناك رأس دبّر ويد نفّذت. لنقل، ومن باب “الحفاظ على خط الرجعة”، بأن هوية “الرأس” باتت شبه مؤكدة لنا، بينما “اليد” لا زلنا نجهلها. ربما يكون “الرأس” و”اليد” وحدة واحدة أو قد تكون الجريمة نُفذّت على أيدي “وسيط” محلي. وهذا بُعد آخر له خصوصيته، أيضاً، ولا يجوز التعاطي معه، لا إجرائياً ولا إعلامياً ولا سياسياً ولا قانونياً وربما لا زمنياً، أيضاً، كما ومع البعد الأول. فالخلط بين البعدين، الأول والثاني، من شأنه أن يُقحمنا في متاهات نحن في غنى عنها ولا أول لها ولا آخر، بدلاً من التوصل إلى ما هو أهم ويشكّل لب الأولويات للشارع الفلسطيني على الأقل، الذي لا حسابات سياسية أو حزبية، أو فئوية عصبوية له يسعى إلى تصفيتها مع أحد. فحال الفلسطينيين ليست كالحال داخل حركة “فتح”. كما أن الشارع الفلسطيني غير منقسم ومتنافر كما هو حاصل بين حركتي “فتح” و”حماس”. فملاحقة القاتل ومعاقبته بالنسبة للفلسطينيين فيها رمزية هامة ومُجمع عليها تنطلق، أساساً، من هدف واحد لا غيره هو مقاضاة المُحتَل على جميع أفعاله. هذا ما يعني الفلسطينيين أكثر من غيره.
رغم ذلك، فهذا لا يعني أن تتجاهل السلطة عملية متابعة الكشف عن اليد التي نفذّت الجريمة، داخلياً، ومعاقبتها، إن ثبت تورطها “قانونياً” بما تستحق. وإن لم يكن ذلك بدافع رغبة السلطة، فليكن من باب الحرص على ألا يتكرر أمر خطير كهذا مع قيادات فلسطينية أخرى، مستقبلاً.
رابعاً: ملاحظة أخيرة، وتتعلق ببعد ثالث للجريمة وهو البعد “الإعلامي”… فجريمة على هذه الدرجة من الخطورة، في ظل غياب أي دور فاعل وحقيقي لما يُطلق عليه اسم “المجتمع الدولي” إزاء انتهاكات وجرائم وخروقات أصبحت تُرتكب بحق الفلسطينيين وغيرهم، أيضاً، بدون حسيب ولا رقيب، لا يمكن أن تتحرك وتتفاعل وأن يتكشّف لنا ما تبقّى غامضاً منها بدون “دينامو” إعلامي فلسطيني وعربي، وأجنبي أيضاً، يُحرّكها. فمسؤولية ذلك لا تقع على عاتق جهة إعلامية واحدة، نأتي بعدها لنشكك في حقيقة نواياها ونتساءل عن صدقية أهدافها، وبالتالي، نحرف الانتباه عمّا هو أهم. فالكشف عن ملابسات جريمة اغتيال الرئيس “ياسر عرفات” ليس مسؤولية جهة واحدة دون غيرها، لا إعلامياً ولا حزبياً ولا سياسياً ولا قانونياً. هو جهدٌ جماعي على صُعُد عدة وليس حكراً على أحد دون غيره أو “وقفاً إعلامياً” يحظر الاقتراب منه!!


