لماذا "فشلنا" بعد عشرين عاماً من التفاوض؟! |

لماذا “فشلنا” بعد عشرين عاماً من التفاوض؟!

تاريخ النشر: نيسان، 2014

الحلقة 2: “اتفاق أوسلو” ما بين عام 1993-2000

يمكن تلخيص أبرز ما ميّز السنوات تلك في النقاط التالية: 

  1. تحولت الأراضي الفلسطينية في تلك الأعوام إلى “مصب تمويلي” دولي بشكل مقطوع النظير، حيث هرول المانحون إلى ضخ أموالهم لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني ودعم السلطة الفلسطينية والمشاريع التي تقوم بتنفيذها المنظمات غير الحكومية الفلسطينية التنموية ومؤسسات المجتمع المدني، التي تضاعف عددها وازداد التنافس فيما بينها. أمّا الأمر الأهم بالنسبة للممّولين، فكان دعم بناء أجهزة السّلطة الأمنية المتعددة التي تضاربت وتناقضت صلاحياتها فيما بعد. ولم يكن سعي المجتمع الدّولي لبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية من أجل أمن الفلسطينيين والتحضير لإقامة دولتهم الفلسطينية المستقلة، بل كان الهدف الأساسي منه تحقيق الشعور بالأمان للمواطن الإسرائيلي وتعزيز التنسيق الأمني بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي. لم تكن دوافع ضخ “اليورو” الأوروبي و”الدولار” الأمريكي بسخاء بريئة، أبداً. فقد سعى الغرب من وراء ذلك إلى الهدم والتخريب والقضاء على الرّوح النضالية الفلسطينية التي سادت قبل توقيع اتفاق “أوسلو”. وقد تمكّن التمويل الأجنبي من استقطاب الكثير من الرموز والقيادات والكوادر الفصائلية المختلفة نحو العمل المؤسسي التنموي غير الحكومي، وذلك على حساب الاستمرار بمسيرة النضال والتحرر وإقامة دّولة ذات سيادة قابلة للحياة. وقد تحوّل الكثير منهم إلى مدراء وموظفين في منظمات غير حكومية NGOs، تتنافس في ما بينها وتتسابق على التمويل، ومنها منظمات اسمية، لم تكن فاعلة “تنموياً” على الأرض ودرج على تسميتها بالدّكاكين. كما راح الممولون يربطون التمويل بالخط السياسي الذي تتبناه المنظمات غير الحكومية، ويُشجعونها على القيام بمشاريع ذات طابع “تعايشي” مشترك مع الاسرائيليين مقبول دولياً. وكانت المؤسسات التي تقبل بشروط كهذه تنال حُصة الأسد من التمويل الأجنبي.
  2. في ظل وضع كهذا ومع نشوء السّلطة الفلسطينية ومؤسساتها من وزارات ومؤسسات حكومية وأجهزة أمنية، بدأت القضية الفلسطينية تفقد زخمها السياسي وتتراجع كقضية استقلال وتحرر. وبدأت مكانة السّلطة الفلسطينية تتعزز محلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً على حساب مكانة منظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرر لها برنامجها النضالي، بينما كانت الجرّافات الاسرائيلية، في الوقت ذاته، تقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية خارج أروقة قاعات المفاوضات، وكانت المستوطنات تزداد توسّعاً ًبكافة الاتجاهات، ومعها الطرق الالتفافية وكافة “المُلحقات” أو “التوابع” الاستيطانية الخدماتية الأخرى. بالتّالي، وفي ظل وضع كهذا، كان من البديهي أن يخسر  الفلسطينيون، شيئاً فشيئاً، التضامن الشعبي الدّولي معهم. فقد ساد الانطباع في الخارج بأن الفلسطينيين والاسرائيليين يجلسون معاً ويتفاوضون وهم على وشك التوصّل إلى سلام، فلماذا التضامن إذن؟!!
  3. كان أهم ما شهدناه، ايضاً، خلال السنوات تلك انتشار ظاهرة المبادرات “التعايشية” المشتركة على صعد مختلفة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي وبتشجيع وتمويل دولي سخي، وكأن السّلام قد تحقق والاحتلال الاسرائيلي قد انسحب من كل شبر من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. فكانت المخيمات الصيفية واللقاءات الشبابية الثقافية المشتركة بين الجانبين، وكذلك الاجتماعات النسوية وإبرام الصفقات الاقتصادية والتجارية ومشاريع التعاون الأكاديمي بين الكُليات والجامعات ومراكز الأبحاث والمعاهد العلمية. وهذا بدوره قد شجّع التطبيع العربي/  الإسرائيلي. فلماذا “يكون العرب كاثوليكيين أكثر من الفلسطينيين”؟! وبدأ العرب يدعون مسؤولين اسرائيليين إلى مؤتمرات ومحافل دولية تُعقد على أراضيهم  بهدف تعزيز الحوار والتفاهم بين الجانبين، ورأينا من حين لآخر انتشاراً لبعض المنتجات الاسرائيلية في الأسواق التجارية العربية، وزعماء عرب يصافحون قادة اسرائيليين أمام عدسات الكاميرات، خلال ندوات ولقاءات دولية دُعي إليها الطرفان.
  4. أمّا في الجانب الجغرافي الآخر والذي يُطلق عليه ب”الخط الاخضر”، فقد شعر الفلسطينيون هناك بان علاقتهم مع اخوانهم الفلسطينيين في الضفة الغربية قد دخلت عهداً جديداً مع نشوء السلطة الفلسطينية…علاقة أصبحت تقوم على قواعد سياسية مختلفة. وتوّلد لدى الفلسطينيين داخل مناطق 48 شعوراً بتجاهل السّلطة الفلسطينية لهم ولأهمية دورهم كأقلية عربية فلسطينية تنظر إلى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967 على أنهم امتداد عربي، قومي، ثقافي طبيعي لهم. وقد دفع ذلك بالفلسطينيين داخل مناطق 1948 باتجاه المزيد من الاندماج في الدّولة العبرية إلى درجة تكاد تُنذر بالوقوع في فخ “الأسرلة”، على حساب صون الهوية الذاتية الثقافية العربية. في حين بدأت  تعلو أصوات، بالمقابل، تدعو إلى الاعتراف بالفلسطينيين كأقلية قومية عربية لها حقوق ثقافية داخل “اسرائيل”. 

أمّا في الشّتات فقد كان الفلسطينيون يترقبون ويُراقبون بحسرة ما يجري في الدّاخل الفلسطيني وهم مدركون بأن بحث موضوع  اللاجئين الفلسطينيين، جوهر القضية، سيكون مؤجلاً إلى أجل غير محدد.

  1. خلال تلك المرحلة، لا يُمكن تجاهل خطورة ما جرى من تغيرات جيوسياسية في مدينة “القدس”. فمع تشكل السّلطة في “المقاطعة” ووزاراتها ومؤسساتها الرسمية وأجهزتها الأمنية، بدأت عملية استقطاب تدريجية للمؤسسات الأهلية الفلسطينية العاملة في مدينة “القدس” باتجاه العمل في مدينة “رام الله”. وراحت تلك المؤسسات تفتح لها، في البداية، فروعاً هناك للمساهمة في عملية البناء التنموي في الأراضي الفلسطينية. وأصبحت أولوية المشاريع التي تقوم بتنفيذها تلك المؤسسات والخدمات التي تقدّمها للمناطق التي سمح اتفاق “أوسلو” للسلطة التواجد فيها، اي مناطق “أ” (التي تقع تحت “السيادة” المدنية والأمنية الفلسطينية) وبعض من مناطق “ب” التي كانت السّلطة مكلّفة بإداراتها “مدنياً”، فقط، وليس أمنياً. وقد ترافق ذلك مع عملية تمدّد استيطاني تهويدي كثيف داخل مدينة “القدس” وفي مُحيطها، يصب في خلق واقع سياسي يخدم “الجانب الاسرائيلي” عندما يحين وقت بحث موضوع “القدس” في المراحل النهائية من المفاوضات. هذا عدا أدوات “تهويدية” أخرى جرى استخدامها في “المدينة”، كسحب الهويات من المقدسيين وحرمانهم من حقوق الإقامة ومصادرة المزيد من الأراضي ووضع العراقيل أمام حصولهم على رخص البناء وشن الحملات الضريبية على التّجار وكافة أشكال التضييق الاخرى. وازدادت الأمور تعقيداً مع بداية إقامة الحواجز العسكرية الاسرائيلية حول “القدس” وعلى مداخل القرى والمدن والبلدات الفلسطينية نهاية عام 2000، ومن ثمّ، بعد سنوات قليلة، بناء جدار “الضم” الاستيطاني العنصري. مع ذلك، فقد بقيت بعض المؤسسات فاعلة، إلى حد ما في “القدس”، بينما أغلقت أخرى أبوابها نهائياً وانتقلت إلى “رام الله”، خاصة بعد فشل مُباحثات “كامب ديفيد 2” بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي واندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول من العام 2000 على أثر الزيارة الاستفزازية التي قام بها “شارون” إلى باحات “الأقصى”. 

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة