لماذا "فشلنا" بعد عشرين عاماً من التفاوض؟! |

لماذا “فشلنا” بعد عشرين عاماً من التفاوض؟!

تاريخ النشر: آذار ٢٠١٤

(الحلقة 3: “اتفاق أوسلو” ما بعد العام 2000 وحتى اليوم)

هذا بدوره يقودنا  للحديث عن الحقبة الثالثة في مسيرة “أوسلو” التفاوضية والتي تلت المرحلة “الذهبية”، حيثُ بدأ التراجع التدريجي والانتكاسات المتتالية التي تمتد من العام 2000 إلى يومنا هذا. 

أبرز ما جرى في تلك المرحلة يمكن إيجازه بالنقاط التالية:

أولاً: استمرار الحملة الاستيطانية في مدينة “القدس” بتسارع وبكثافة بوتيرة غير مسبوقة. وكان الاستيطان يبلغ ذروته بالترافق مع كل جهد إقليمي ودولي كان يُبُذَل للخروج من الازمة ومع كل تعثر جديد، قديم للمفاوضات. ولم يكن الاستيطان الانتهاك الاسرائيلي الوحيد، وإنما رافقه أشكال أخرى من الممارسات الاستفزازية الاسرائيلية، التي كانت تتم تحت غطاء المؤتمرات وورش العمل الإقليمية والدولية الهادفة إلى “إحياء عملية السلام” أو “الدّفع بعملية السّلام” إلى الأمام. 

ثانياً: انتشار الحواجز الاحتلالية الاسرائيلية بين القرى والمدن المُتجاورة بشكل تدريجي، وتحوّل العديد منها إلى معابر “حدودية” فعلية. 

ثالثاً: استمرار عملية تفريغ “القدس” وتهويدها عبر الوسائل التي أتيت على ذكرها سابقاً.

رابعاً: استكمال بناء جدار الضّم العنصري الذي استمرّ بابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية، وساهم بتفتيت النسيج السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي الفلسطيني وسلخ “القدس” عن محيطها بعد أن كانت مركز الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية الفلسطينية.

خامساً: الحصار الاسرائيلي للرئيس الفلسطيني الراحل “ياسر عرفات” في مقره في “المُقاطعة” عام 2002، ومن ثمّ وفاته بعد عامين في ظروف لا تزال غامضة حتى اليوم.

سادساً: الانتخابات الرئاسية والتشريعية في كانون ثاني (يناير) عام 2006 والتي حقّقت فيها حركة “حماس” فوزاً ساحقاً على حركة “فتح”، ومن ثمّ تعرُض السّلطة الفلسطينية لضغوط خارجية تهدف إلى تكريس الانقسام وعَزل حركة “حماس” عربياً وإقليمياً ودولياً. ولا ننسى، بالطبع،  الانقلاب الذي قامت به حركة “حماس” على السّلطة الفلسطينية  في غزة عام 2007، مما أدى إلى تحوّل الأراضي الفلسطينية إلى كيانين فلسطينيين منفصلين تماماً عن بعضهما البعض، ومنعزَلين جُغرافياً بفعل الحصار الاسرائيلي، من ناحية ثانية.

سابعاً: استمرار السلطة الفلسطينية بسياسة الانتظار والتّرقب من دورة انتخابية أمريكية واسرائيلية لأخرى، لعلّ وعسى القادم أحسن. وترافق ذلك مع تقديم العرب والفلسطينيين باستمرار مبادرات “حسن نية” من أجل الإثبات للغرب بأن الفلسطينيين معنيون، فعلاً، بتحقيق السّلام على عكس الجانب الاسرائيلي المتعنت والمتصلب بمواقفه. كما لم تتوقف الأنشطة والفعاليات السياسية الفلسطينية/ الاسرائيلية المشتركة في محاولة للدفع بعملية السّلام نحو الامام، وتنفيذ  مشاريع ذات طابع تطبيعي مع الاسرائيليين، كعقد حلقات نقاش مشتركة والتعاون أكاديمياً وثقافياً واقتصادياً وتجارياً. وهي مشاريع لا تزال موضع سجال ومثار جدل عند الفلسطينيين إلى يومنا هذا بسبب انعدام رؤية سياسية واضحة بشأنها وتضارب المواقف تجاهها.

ثامناً: استمرار الاسرائيليين بمطالبة الفلسطينيين بالمزيد من التنازلات السياسية في ظل تقاعس دولي مُشجّع على ذلك. فقد لجأ المجتمع الدّولي إلى تسليط سيف “قطع التمويل” عن السّلطة ومؤسساتها كلما أراد أن يبتزها سياسياً ويسترضي الجانب الاسرائيلي. 

 لقد استمر الوضع الفلسطيني بالتراجع والتّردي في ظل وضع عربي مترهل ومنقسم على ذاته، أيضاً.  وشهدت المنطقة في الأثناء أحداثاً مفصلية هامة. فكانت الحرب الاسرائيلية على لبنان في “تمّوز 2006″، ومن ثمّ العُدوان الاسرائيلي على غزة عام 2008/ 2009، وبعده بعامين انطلاق شرارة ثورات “الربيع العربي” التي بدأت تنتقل من بلد عربي إلى آخر. 

أمّا السّلطة الفلسطينية، فقد بقيت، بالرغم من تعنت الجانب الاسرائيلي وانحياز المجتمع الدّولي له، متمسكة بنهجها التفاوضي دون غيره. ومن جهة أخرى، فقد كانت السلطة الفلسطينية تواجه العديد من الأزمات السياسية الداخلية، ومن وضع اقتصادي خانق ومهدد بالانهيار التاّم في أي لحظة. هذا عدا استمرار حالة الانقسام الداخلي بين حركتي “فتح” و”حماس”، الذي تعذّر مُعالجته جذرياً حتّى كتابة هذه السطور، بالرغم من سلسلة من المحاولات والوساطات الداخلية والخارجية. 

في ظل الوضع هذا، واظب المسؤولون والمبعوثون الدوليون على زياراتهم للمنطقة بدون انقطاع، حفاظاً على “سيرورة” “عملية” السّلام. ولكن، بدل أن يحلَّ السّلام، احتلت “العملية” مكانه واصبحت بحاجة ل”صيانة” دورية من أجل صون “محركاتها” واستمراريتها وتجنب انهيارها وإنقاذ السلطة من السقوط. فأمر كهذا إن حصل فعلاً، سيكون المجتمع الدّولي أوّل من يتحمل المسؤولية عنه، كما سيُضطره إلى تحمل تبعاته السياسية والاقتصادية. لذلك، فهو حرص على الامساك بالعصا من وسطها كي لا يتدهور الوضع إلى هذا الحد. 

“كَثُرت الأشجار، فلم نعد نرى منها لا الغابة ولا الثوابت الوطنية، وانخفض سقف طموح المواطن الفلسطيني من التطلع إلى التحرر وقيام الدولة الفلسطينية إلى اللهاث، يومياً، بين حاجز عسكري اسرائيلي وآخر، وراء تأمين لقمة عيش أطفاله. وأصبح هاجس عدم إمكانية وصول  الراتب من المُموّل الأجنبي نهاية كل شهر يُلاحق الموظف لحظة بلحظة ويطغى على حُلم دحر الاحتلال والاستقلال. 

لجأنا لسلاح الدبلوماسية الدولية، فاعتُرف بفلسطين، على مضض، عضوا مراقباً غير فاعل في الأمم المتحدة في أيلول عام 2012، ولكن، ذلك لم يغيّر شيئاً على أرض الواقع. 

فالاستيطان استمر دون روادع دولية حقيقية تُذكر، كما الانتهاكات الاسرائيلية الاخرى. والضغوطات الدّولية بقيت كما جرت العادة من نصيب الفلسطينيين. 

فاز “أوباما” في الانتخابات الأمريكية للمرة الثانية في العام 2013. وكان العديد من العرب والفلسطينيين قد تأملوا بانتخابه المرّة الاولى عام 2009 خيراً، ومنهم من نظر إليه على أنه المُخلّص المنتظر، إلى أن ثبت لهم أنه لا يختلف عمّن سبقوه كثيراً.

عاد ليُرسل مبعوثيه من جديد إلى المنطقة، وبدأ وزير خارجيته الجديد “جون كيري” جولاته المكوكية في المنطقة، الواحدة تلو الأخرى… وعد “كيري” الفلسطينيين في تموز الماضي بمولوده الجديد بعد تسعة شهور، أي في نيسان الجاري. منحه الاسم مبكراً قبل أن يتأكد من أنه سيلد بالفعل وسيكون طبيعياً. أطلق عليه اسم “اتفاق إطار”. 

ها هي شهور “كيري” التسعة تُقارب على الانتهاء، ولكن بدون مواليد، وإنما مع إخفاق جديد يُضاف إلى سجّلات الادارة الامريكية التي ما زالت لا تُدرك بأن وساطة غير نزيهة لن تُثمر عن شيء.  

أتمّ “كيري” حتى اللحظة 12 زيارة، في كل واحدة منها حمل معه تعديلاً على مبادرة سابقة للخروج من مأزقه الذي أوصله إليه الاسرائيليون، ولكن ذلك كان يُقابل بالرفض الاسرائيلي في كل مرّة وبمطلب تنازلي جديد من الفلسطينيين، إلى أن وصلت الابتزازات الاسرائيلية عتبة “البيت الأبيض” ذاته. فبدأ الضغوطات الاسرائيلية على الحليف الأمريكي من أجل إطلاق سراح الجاسوس الاسرائيلي، “جوناثان بولارد” من أحد سجون الولايات المتحدة.

عشرون عاماً من التفاوض العبثي مضت ولا يُمكننا أن نقول، اليوم، بأنّ إنجازاً حقيقياً  واحداً  يُذكر قد تحقق. 

بعد عقدين من المفاوضات العبثية ها نحن نواجه فشلنا…

هل فشلنا؟ لماذا فشلنا؟ كيف فشلنا؟! 

لا، نحنُ لم نفشل… نحنُ أُفشلنا… أفشلنا الاسرائيليون بتعنتهم والمجتمع الدولي بتقاعسه والوسطاء والمبعوثون بعدم نزاهتهم. 

ها هي الحقيقة بعينها… نحنُ لم نفشل بالرغم من إخفاقاتنا…نحنُ أُفشلنا لأن هناك من لم يشأ لنا أن ننجح!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading