(الحلقة الأولى: “اتفاق أوسلو”…المرحلة التحضيرية)
الأول من نيسان 2014…تتضح مرّة أخرى كذبة المفاوضات…تنكشف عبثيتها الماراثونية… الجانب الاسرائيلي يرفض الالتزام بتعهده إطلاق سراح الدّفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين والتي تضم 26 أسيراً فلسطينياً، من بينهم 14 أسيراً من داخل مناطق 48، في حين يُعلن الاسرائيليون، تزامناً، عن طرح عطاءات لبناء 700 وحدة سكنية استيطانية في مستوطنة “جيلو” جنوب القدس.
الرئيس الفلسطيني “محمود عبّاس” يُعلن، مساء اليوم ذاته، في خطاب متلفز عن توقيعه 15 ميثاقا دولياً تمهيداً للانضمام إلى مؤسسات الأمم المتحدة.
وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري” يقرر رداً على ذلك إلغاء زيارته المتوقعة إلى “رام الله” اليوم التالي.
هكذا بدا المشهد في ذاك اليوم.
العد التنازلي لانتهاء الفترة التي منحها ” كيري” من أجل التوصل إلى “اتفاق إطار” بين الجانبين، الفلسطيني والاسرائيلي قد بدأ عملياً ولكن، بدون بوادر لحل في الأفق.
لماذا “فشلنا” بعد عشرين عاماً من التفاوض؟!
اعتقدتُ بأن الرد لن يحتاج أكثر من مقال متواضع لا يتجاوز 1500- 2000 كلمة، لأكتشف لاحقاً بأن السؤال أكثر تعقيداً من أن يُجاب عليه بهذه البساطة. لقد تخطّى حجم الرد التوقعات ثلاثة اضعاف تقريباً، مما اضطّرني إلى أن أُقسّمه إلى ثلاثة أجزاء. عقدان “تفاوضيان” ليسا بالأمر القليل!
بالعودة إلى السؤال، وقبل أن نُحاول الإجابة عليه، دعونا، أولاً، نتأمل في ما إذا كان يصّح أن نطرحه!
فقد قررنا أن نخوض التجربة التفاوضية منذ بداياتها ونحنُ نُرجّح كفة الفشل على كفة النجاح، مما يجعل الفشل، اليوم، أمراً ليس مستغرَباً، الى حد ما. كان الفشل متوقعاً منذ اليوم الأول، إن لم يكن على المستوى الرسمي، فبالتأكيد، على المستويين، الشعبي والفصائلي. وقد حذّر كثيرون من ذلك، إلا أن القيادة الفلسطينية في الخارج آثرت الاستمرار بالسير على درب التفاوض رغم المخاطر.
لقد لمس الفلسطينيون، منذ البداية، خللا ً ما في “العملية التفاوضية”. وفي حين أدرك البعض ممن انخرطوا في التفاوض من المسؤولين الفلسطينيين ذلك ولو في مراحل لاحقة، إلا أنهم، رغم ذلك، أوهموا أنفسهم بأن إنجازاً ما سيتحقق وقرّروا الاستمرار، في حين انسحب آخرون كي لا يتحملون مسؤولية العواقب ويقع اللوم الشعبي على رؤوسهم.
وبالرغم من ذلك، إلا أنه لا يمكن تحميل مسؤولية الفشل كلياً للمفاوض الفلسطيني، بغض النظر عن درجة ذكائه أو حكمته أو خبرته التفاوضية.
فحتى لو كان بمقدورنا أن نأتي، في حينه، ب”أينشتاين” ليُفاوض نيابة عن المُفاوض الفلسطيني، في ظل الظروف العربية والإقليمية والدّولية التي كانت قائمة، لما كان ليحقق أكثر مما حقّقه لنا د. “صائب عريقات”.
فهزيمتنا “التفاوضية” في “أوسلو” لا ترتبط فقط بأداء المفاوض الفلسطيني، وإنما، ً بعوامل أخرى، أيضاً.
بالعودة عشرين عاماً إلى الوراء، سنجد أن دخولنا “العملية التفاوضية” جاء في سياق ظرف سياسي مُحيط مُثقَل بالتّحديات التي يُمكن لنا أن نصنّفها، زمنياً، إلى مرحلتين…
أولاً، تحدّيات رافقت الاستعداد للدخول بالمفاوضات قبل نشوء السّلطة الفلسطينية في الداخل الفلسطيني، وثانياً، تحدّيات برزت بعد تشكّل السلطة الفلسطينية ومؤسساتها ووزاراتها وأجهزتها الأمنية.
من خلال نقاط “مفاتيحية” رئيسية، يُمكن تسليط الضوء على أبرز المطّبات التي وقع فيها المفاوض الفلسطيني منذ أن أعلنت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج عن قبولها الدخول في العملية التفاوضية، والبدء باستعداداتها للجلوس مع الجانب الاسرائيلي على طاولة مفاوضات واحدة، وجهاً لوجه للمرّة الأولى، وصولاً إلى بدايات تبلور كيان السّلطة في الدّاخل الفلسطيني…
- قد يبدو هامشياً للبعض التذكير بأن الدّخول في فخ “أوسلو” ترافق، منذ البداية، مع طرح القيادة الفلسطينية للسؤال التبريري التالي، “ما البديل الذي نملك؟” هذا ليس أمراً عابراً، لا قيمة له. فتساؤل كهذا قد زجّ بالفلسطينيين في زاوية تفاوضية ضيّقة لم يعد، في مراحل لاحقة، سهلاً الخروج منها. لقد حدّد المفاوض الفلسطيني بسؤال “ما بديلنا؟” سقف توقعاته والشعب الفلسطيني من “اتفاق أوسلو”، منذ اللحظة الأولى. ولم يعد “السؤال” مجرد “مقدّمة” “حجَجية” لإقناع الشعب الفلسطيني بأن لا طريق أمامه سوى التفاوض و”التفاوض فقط”، وإنما أصبح، أيضاً، بمثابة “لازمة” يستعين بها المفاوض الفلسطيني كلّما انخرط أكثر فأكثر في تعقيدات وتشعبات القضايا التي يجري التفاوض حولها مع الجانب الاسرائيلي، وكلّما تعثرت المفاوضات بسبب التعنت الاسرائيلي. بالتّالي، فقد تحوّل المفاوض الفلسطيني بفعل تكرار طرح السؤال هذا إلى “روبوت” آلي” مُسَيّر على إيقاع تطور مسار المفاوضات وفق الشروط الإسرائيلية التي تبناها، في معظم الأحيان، المجتمع الدّولي. وبما أننا “لم نملك “البديل” منذ البداية، فقد كان توريطنا من قبل الجانب الآخر في التفاوض أكثر سهولة، بينما الانسحاب من العملية التفاوضية ازداد صعوبة وتعقيداً يوماً تلو الآخر.
- صحيح أن القبول الفلسطيني باتفاق “أوسلو” جاء تحت شعار التّمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية، من حق العودة إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل التّراب الفلسطيني المُحتل عام 1967 بعاصمتها القدس الشريف ووقف الاستيطان وإطلاق سراح كافة الأسرى الفلسطينيين من السجون الاسرائيلية والتي حملناها إلى “مؤتمر مدريد” “الاحتفالي”، إلا أن تلك الثوابت سرعان ما “تفسّخت” وتفرّعت وتحوّل كل ثابت منها، بفعل المراوغة الاسرائيلية، إلى عشرات العناوين التفاوضية المتشعبة بمرور الزّمن. وأحد أهم أسباب التحوّل هذا، هو دخول الجانب الفلسطيني العملية التفاوضية على قاعدة قرارات قمة الجزائر في العام 1988، التي أجمعت عليها الفصائل الفلسطينية الرئيسية، وليس على أساس قرارات الشّرعية الدّولية التي تعتبر قرار “إقامة الدّولتين” حلاً تاريخياً “وسطياً” أبدى الفلسطينيون استعدادهم لقبوله من أجل تحقيق السّلام، وإن كان سلاماً يبتلع قسطا ًليس بقليل من حقوقهم العادلة والمشروعة. فقد أخفق الجانب الفلسطيني، على عكس الجانب الإسرائيلي الذي لم يترك مناسبة وإلا ذكّر العالم فيها بمأساته في “المحرقة”، بقرع ناقوسه لتنبيه المجتمع الدّولي باستمرار إلى أن مأساة الشعب الفلسطيني لم تبدأ باحتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967 فقط فحسب، وإنما بنكبة الشعب الفلسطيني عام 1948. هذا بدوره أدّى إلى أن يتحول حل قيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 بجانب دولة “إسرائيل” التي قامت على أنقاض الشعب الفلسطيني، إلى موضوع قابل للتفاوض والمساومة والتعديلات من هنا وهناك. وبعد أن كنّا نسمع عن شيء اسمه “حل الدّولة الفلسطينية على كامل تراب الأراضي المحتلة عام 1967 كوحدة واحدة متلاصقة”، أصبحت الحلول المطروحة دولياً تتخذ أشكالاً تعبيرية لفظية مختلفة، كالحديث، مثلاً، عن الحل القائم على “رؤية” الدولتين أو على “مبدأ” الدولتين” أو حل يقوم على قاعدة “دّولتين لشعبين”. أمّا حدود تلك الدّولة التي يجري الحديث عنها ومدى قابليتها للحياة وماهية السّيادة الفلسطينية عليها وحل القضايا الجوهرية المتعلقة بالقدس وحق العودة، فقد تُركت في “منطقة رّمادية” لينتهي البت فيها خلال الأعوام الخمسة اللاحقة.
- لا يُمكن إغفال الظرف العربي الذي أحاط بالبدء في العملية التفاوضية بين الجانبين، الفلسطيني والاسرائيلي، سواء اختلانا أن نضع ذلك تحت خانة “سوء الحظ” أو تحت باب “التخاذل العربي المعهود”. فلا ننسى أن توقيع اتفاق “إعلان المبادىء” بين الفلسطينيين والاسرائيليين عام 1993 كان قد جاء بعد ثلاث صفعات قاسية تلّقاها الفلسطينيون، أضعفت من مكانتهم التفاوضية إلى درجة كبيرة …
الصفعة الأولى كانت بتوقيع معاهدة “كامب ديفيد” الاسرائيلية/ المصرية في العام 1978، والثانيةً، باضطرار منظمة التحرير الفلسطينية الخروج من بيروت في العام 1982، والثالثةً، باحتلال صدّام حسين للكويت عام 1990 وتأييد منظمة التحرير الفلسطينية له. وقد كان لوقوف “المنظمة” إلى جانب الرئيس العراقي، في حينه، تبعات قاسية على الفلسطينيين، حيث تعرضوا لعمليات طرد وتشريد من دول الخليج بدافع الانتقام. كما تسبب ذلك أيضاً في تراجع مكانة وعدالة القضية الفلسطينية عربياً وإقليمياً ودولياً.
لقد شكّلت الهزّات الثلاث الماضية مُجتمعة ضربة قوية لمكانة منظمة التحرير الفلسطينية السياسية والاقتصادية، ومن ثمّ التفاوضية، أيضاً. وإن كانت القيادة الفلسطينية قد أدركت خطأها في ما بعدً وحاولت تصحيحه، إلا أن ذلك لم يُساعد كثيراً.
- قد يُقلل البعض من أهمية الخلل الذي حدث في العلاقة بين “الدّاخل” و”الخارج” الفلسطيني على خلفية سير العملية التفاوضية في بداياتها سرّاً. فلا ننسى بأن القيادة الفلسطينية في الخارج كانت قد أوعزت لوفد فلسطيني في الدّاخل بأن يبدأ إجراء اتصالاته مع الجانب الإسرائيلي. وكانت تنظر قيادة منظمة التحرير في الخارج إلى دور وفد المفاوضات في الدّاخل على أنه دور “اختباري” يمكّنها من تحديد مسارها التفاوضي مستقبلاً، في حين كانت منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج قد بدأت بالتوازي إجراء اتصالات مع الجانب الإسرائيلي من خلف الكواليس بوساطة نرويجية. وفي حين كانت القيادة في الخارج تحظر على أعضاء الوفد الفلسطيني المفاوض في الدّاخل، والذي بحكم قربه الجغرافي والسياسي كان على إطلاع أوسع على واقع الحال، تجاوز “خطوط حمراء”، كانت هي في الخارج تُبدي شيئاً من المرونة في العملية التفاوضية مع الجانب الاسرائيلي. وكانت على استعداد للذهاب أبعد من وفد الدّاخل في التجاوب مع الضغوط الاسرائيلية والدّولية التي تعرضت لها. وقد كان ذلك السلوك من أحد الأسباب التي دفعت بعضو الوفد الفلسطيني المُفاوض في الدّاخل، د. حيدر عبد الشّافي للإعلان عن انسحابه من العملية التفاوضية منذ بداياتها، خاصة بعد أن تمسّك الجانب الاسرائيلي بمواقفه الرافضة لتجميد الاستيطان قبل المضي قُدُماً بالمفاوضات.
إن النقاط السّالفة الذّكر تتناول المرحلة “التحضيرية” وسرد للظروف التي كانت تُحيط باستعداد القيادة الفلسطينية في الخارج لخوض العملية التفاوضية، أي الفترة التي سبقت تشّكّل السّلطة الفلسطينية وتنفيذ اتفاق “إعلان المبادىء” على الأرض في الدّاخل”، حيث بدأت تتضح حقيقة خطورة “أوسلو” وانعكاساته السلبية على أدق تفاصيل حياة الفلسطينيين. ولكن، كي لا نظلم التّأريخ أو نسلق المراحل، دعونا نُلقي نظرة على الفترة التي تلت توقيع اتفاق “أوسلو” مباشرة، وبالتحديد تلك التي امتدت ما بين العام 1993 إلى العام 2000، وهي الفترة التي بدت وكأنها مرحلة ذهبية مُزدهرة.
لماذا “فشلنا” بعد عشرين عاماً من التفاوض؟!
الحلقة 2: “اتفاق أوسلو” ما بين عام 1993-2000
يمكن تلخيص أبرز ما ميّز السنوات تلك في النقاط التالية:
- تحولت الأراضي الفلسطينية في تلك الأعوام إلى “مصب تمويلي” دولي بشكل مقطوع النظير، حيث هرول المانحون إلى ضخ أموالهم لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني ودعم السلطة الفلسطينية والمشاريع التي تقوم بتنفيذها المنظمات غير الحكومية الفلسطينية التنموية ومؤسسات المجتمع المدني، التي تضاعف عددها وازداد التنافس فيما بينها. أمّا الأمر الأهم بالنسبة للممّولين، فكان دعم بناء أجهزة السّلطة الأمنية المتعددة التي تضاربت وتناقضت صلاحياتها فيما بعد. ولم يكن سعي المجتمع الدّولي لبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية من أجل أمن الفلسطينيين والتحضير لإقامة دولتهم الفلسطينية المستقلة، بل كان الهدف الأساسي منه تحقيق الشعور بالأمان للمواطن الإسرائيلي وتعزيز التنسيق الأمني بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي. لم تكن دوافع ضخ “اليورو” الأوروبي و”الدولار” الأمريكي بسخاء بريئة، أبداً. فقد سعى الغرب من وراء ذلك إلى الهدم والتخريب والقضاء على الرّوح النضالية الفلسطينية التي سادت قبل توقيع اتفاق “أوسلو”. وقد تمكّن التمويل الأجنبي من استقطاب الكثير من الرموز والقيادات والكوادر الفصائلية المختلفة نحو العمل المؤسسي التنموي غير الحكومي، وذلك على حساب الاستمرار بمسيرة النضال والتحرر وإقامة دّولة ذات سيادة قابلة للحياة. وقد تحوّل الكثير منهم إلى مدراء وموظفين في منظمات غير حكومية NGOs، تتنافس في ما بينها وتتسابق على التمويل، ومنها منظمات اسمية، لم تكن فاعلة “تنموياً” على الأرض ودرج على تسميتها بالدّكاكين. كما راح الممولون يربطون التمويل بالخط السياسي الذي تتبناه المنظمات غير الحكومية، ويُشجعونها على القيام بمشاريع ذات طابع “تعايشي” مشترك مع الاسرائيليين مقبول دولياً. وكانت المؤسسات التي تقبل بشروط كهذه تنال حُصة الأسد من التمويل الأجنبي.
- في ظل وضع كهذا ومع نشوء السّلطة الفلسطينية ومؤسساتها من وزارات ومؤسسات حكومية وأجهزة أمنية، بدأت القضية الفلسطينية تفقد زخمها السياسي وتتراجع كقضية استقلال وتحرر. وبدأت مكانة السّلطة الفلسطينية تتعزز محلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً على حساب مكانة منظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرر لها برنامجها النضالي، بينما كانت الجرّافات الاسرائيلية، في الوقت ذاته، تقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية خارج أروقة قاعات المفاوضات، وكانت المستوطنات تزداد توسّعاً ًبكافة الاتجاهات، ومعها الطرق الالتفافية وكافة “المُلحقات” أو “التوابع” الاستيطانية الخدماتية الأخرى. بالتّالي، وفي ظل وضع كهذا، كان من البديهي أن يخسر الفلسطينيون، شيئاً فشيئاً، التضامن الشعبي الدّولي معهم. فقد ساد الانطباع في الخارج بأن الفلسطينيين والاسرائيليين يجلسون معاً ويتفاوضون وهم على وشك التوصّل إلى سلام، فلماذا التضامن إذن؟!!
- كان أهم ما شهدناه، ايضاً، خلال السنوات تلك انتشار ظاهرة المبادرات “التعايشية” المشتركة على صعد مختلفة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي وبتشجيع وتمويل دولي سخي، وكأن السّلام قد تحقق والاحتلال الاسرائيلي قد انسحب من كل شبر من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. فكانت المخيمات الصيفية واللقاءات الشبابية الثقافية المشتركة بين الجانبين، وكذلك الاجتماعات النسوية وإبرام الصفقات الاقتصادية والتجارية ومشاريع التعاون الأكاديمي بين الكُليات والجامعات ومراكز الأبحاث والمعاهد العلمية. وهذا بدوره قد شجّع التطبيع العربي/ الإسرائيلي. فلماذا “يكون العرب كاثوليكيين أكثر من الفلسطينيين”؟! وبدأ العرب يدعون مسؤولين اسرائيليين إلى مؤتمرات ومحافل دولية تُعقد على أراضيهم بهدف تعزيز الحوار والتفاهم بين الجانبين، ورأينا من حين لآخر انتشاراً لبعض المنتجات الاسرائيلية في الأسواق التجارية العربية، وزعماء عرب يصافحون قادة اسرائيليين أمام عدسات الكاميرات، خلال ندوات ولقاءات دولية دُعي إليها الطرفان.
- أمّا في الجانب الجغرافي الآخر والذي يُطلق عليه ب”الخط الاخضر”، فقد شعر الفلسطينيون هناك بان علاقتهم مع اخوانهم الفلسطينيين في الضفة الغربية قد دخلت عهداً جديداً مع نشوء السلطة الفلسطينية…علاقة أصبحت تقوم على قواعد سياسية مختلفة. وتوّلد لدى الفلسطينيين داخل مناطق 48 شعوراً بتجاهل السّلطة الفلسطينية لهم ولأهمية دورهم كأقلية عربية فلسطينية تنظر إلى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967 على أنهم امتداد عربي، قومي، ثقافي طبيعي لهم. وقد دفع ذلك بالفلسطينيين داخل مناطق 1948 باتجاه المزيد من الاندماج في الدّولة العبرية إلى درجة تكاد تُنذر بالوقوع في فخ “الأسرلة”، على حساب صون الهوية الذاتية الثقافية العربية. في حين بدأت تعلو أصوات، بالمقابل، تدعو إلى الاعتراف بالفلسطينيين كأقلية قومية عربية لها حقوق ثقافية داخل “اسرائيل”.
أمّا في الشّتات فقد كان الفلسطينيون يترقبون ويُراقبون بحسرة ما يجري في الدّاخل الفلسطيني وهم مدركون بأن بحث موضوع اللاجئين الفلسطينيين، جوهر القضية، سيكون مؤجلاً إلى أجل غير محدد.
- خلال تلك المرحلة، لا يُمكن تجاهل خطورة ما جرى من تغيرات جيوسياسية في مدينة “القدس”. فمع تشكل السّلطة في “المقاطعة” ووزاراتها ومؤسساتها الرسمية وأجهزتها الأمنية، بدأت عملية استقطاب تدريجية للمؤسسات الأهلية الفلسطينية العاملة في مدينة “القدس” باتجاه العمل في مدينة “رام الله”. وراحت تلك المؤسسات تفتح لها، في البداية، فروعاً هناك للمساهمة في عملية البناء التنموي في الأراضي الفلسطينية. وأصبحت أولوية المشاريع التي تقوم بتنفيذها تلك المؤسسات والخدمات التي تقدّمها للمناطق التي سمح اتفاق “أوسلو” للسلطة التواجد فيها، اي مناطق “أ” (التي تقع تحت “السيادة” المدنية والأمنية الفلسطينية) وبعض من مناطق “ب” التي كانت السّلطة مكلّفة بإداراتها “مدنياً”، فقط، وليس أمنياً. وقد ترافق ذلك مع عملية تمدّد استيطاني تهويدي كثيف داخل مدينة “القدس” وفي مُحيطها، يصب في خلق واقع سياسي يخدم “الجانب الاسرائيلي” عندما يحين وقت بحث موضوع “القدس” في المراحل النهائية من المفاوضات. هذا عدا أدوات “تهويدية” أخرى جرى استخدامها في “المدينة”، كسحب الهويات من المقدسيين وحرمانهم من حقوق الإقامة ومصادرة المزيد من الأراضي ووضع العراقيل أمام حصولهم على رخص البناء وشن الحملات الضريبية على التّجار وكافة أشكال التضييق الاخرى. وازدادت الأمور تعقيداً مع بداية إقامة الحواجز العسكرية الاسرائيلية حول “القدس” وعلى مداخل القرى والمدن والبلدات الفلسطينية نهاية عام 2000، ومن ثمّ، بعد سنوات قليلة، بناء جدار “الضم” الاستيطاني العنصري. مع ذلك، فقد بقيت بعض المؤسسات فاعلة، إلى حد ما في “القدس”، بينما أغلقت أخرى أبوابها نهائياً وانتقلت إلى “رام الله”، خاصة بعد فشل مُباحثات “كامب ديفيد 2” بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي واندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول من العام 2000 على أثر الزيارة الاستفزازية التي قام بها “شارون” إلى باحات “الأقصى”.
لماذا “فشلنا” بعد عشرين عاماً من التفاوض؟!
(الحلقة 3: “اتفاق أوسلو” ما بعد العام 2000 وحتى اليوم)
هذا بدوره يقودنا للحديث عن الحقبة الثالثة في مسيرة “أوسلو” التفاوضية والتي تلت المرحلة “الذهبية”، حيثُ بدأ التراجع التدريجي والانتكاسات المتتالية التي تمتد من العام 2000 إلى يومنا هذا.
أبرز ما جرى في تلك المرحلة يمكن إيجازه بالنقاط التالية:
أولاً: استمرار الحملة الاستيطانية في مدينة “القدس” بتسارع وبكثافة بوتيرة غير مسبوقة. وكان الاستيطان يبلغ ذروته بالترافق مع كل جهد إقليمي ودولي كان يُبُذَل للخروج من الازمة ومع كل تعثر جديد، قديم للمفاوضات. ولم يكن الاستيطان الانتهاك الاسرائيلي الوحيد، وإنما رافقه أشكال أخرى من الممارسات الاستفزازية الاسرائيلية، التي كانت تتم تحت غطاء المؤتمرات وورش العمل الإقليمية والدولية الهادفة إلى “إحياء عملية السلام” أو “الدّفع بعملية السّلام” إلى الأمام.
ثانياً: انتشار الحواجز الاحتلالية الاسرائيلية بين القرى والمدن المُتجاورة بشكل تدريجي، وتحوّل العديد منها إلى معابر “حدودية” فعلية.
ثالثاً: استمرار عملية تفريغ “القدس” وتهويدها عبر الوسائل التي أتيت على ذكرها سابقاً.
رابعاً: استكمال بناء جدار الضّم العنصري الذي استمرّ بابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية، وساهم بتفتيت النسيج السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي الفلسطيني وسلخ “القدس” عن محيطها بعد أن كانت مركز الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية الفلسطينية.
خامساً: الحصار الاسرائيلي للرئيس الفلسطيني الراحل “ياسر عرفات” في مقره في “المُقاطعة” عام 2002، ومن ثمّ وفاته بعد عامين في ظروف لا تزال غامضة حتى اليوم.
سادساً: الانتخابات الرئاسية والتشريعية في كانون ثاني (يناير) عام 2006 والتي حقّقت فيها حركة “حماس” فوزاً ساحقاً على حركة “فتح”، ومن ثمّ تعرُض السّلطة الفلسطينية لضغوط خارجية تهدف إلى تكريس الانقسام وعَزل حركة “حماس” عربياً وإقليمياً ودولياً. ولا ننسى، بالطبع، الانقلاب الذي قامت به حركة “حماس” على السّلطة الفلسطينية في غزة عام 2007، مما أدى إلى تحوّل الأراضي الفلسطينية إلى كيانين فلسطينيين منفصلين تماماً عن بعضهما البعض، ومنعزَلين جُغرافياً بفعل الحصار الاسرائيلي، من ناحية ثانية.
سابعاً: استمرار السلطة الفلسطينية بسياسة الانتظار والتّرقب من دورة انتخابية أمريكية واسرائيلية لأخرى، لعلّ وعسى القادم أحسن. وترافق ذلك مع تقديم العرب والفلسطينيين باستمرار مبادرات “حسن نية” من أجل الإثبات للغرب بأن الفلسطينيين معنيون، فعلاً، بتحقيق السّلام على عكس الجانب الاسرائيلي المتعنت والمتصلب بمواقفه. كما لم تتوقف الأنشطة والفعاليات السياسية الفلسطينية/ الاسرائيلية المشتركة في محاولة للدفع بعملية السّلام نحو الامام، وتنفيذ مشاريع ذات طابع تطبيعي مع الاسرائيليين، كعقد حلقات نقاش مشتركة والتعاون أكاديمياً وثقافياً واقتصادياً وتجارياً. وهي مشاريع لا تزال موضع سجال ومثار جدل عند الفلسطينيين إلى يومنا هذا بسبب انعدام رؤية سياسية واضحة بشأنها وتضارب المواقف تجاهها.
ثامناً: استمرار الاسرائيليين بمطالبة الفلسطينيين بالمزيد من التنازلات السياسية في ظل تقاعس دولي مُشجّع على ذلك. فقد لجأ المجتمع الدّولي إلى تسليط سيف “قطع التمويل” عن السّلطة ومؤسساتها كلما أراد أن يبتزها سياسياً ويسترضي الجانب الاسرائيلي.
لقد استمر الوضع الفلسطيني بالتراجع والتّردي في ظل وضع عربي مترهل ومنقسم على ذاته، أيضاً. وشهدت المنطقة في الأثناء أحداثاً مفصلية هامة. فكانت الحرب الاسرائيلية على لبنان في “تمّوز 2006″، ومن ثمّ العُدوان الاسرائيلي على غزة عام 2008/ 2009، وبعده بعامين انطلاق شرارة ثورات “الربيع العربي” التي بدأت تنتقل من بلد عربي إلى آخر.
أمّا السّلطة الفلسطينية، فقد بقيت، بالرغم من تعنت الجانب الاسرائيلي وانحياز المجتمع الدّولي له، متمسكة بنهجها التفاوضي دون غيره. ومن جهة أخرى، فقد كانت السلطة الفلسطينية تواجه العديد من الأزمات السياسية الداخلية، ومن وضع اقتصادي خانق ومهدد بالانهيار التاّم في أي لحظة. هذا عدا استمرار حالة الانقسام الداخلي بين حركتي “فتح” و”حماس”، الذي تعذّر مُعالجته جذرياً حتّى كتابة هذه السطور، بالرغم من سلسلة من المحاولات والوساطات الداخلية والخارجية.
في ظل الوضع هذا، واظب المسؤولون والمبعوثون الدوليون على زياراتهم للمنطقة بدون انقطاع، حفاظاً على “سيرورة” “عملية” السّلام. ولكن، بدل أن يحلَّ السّلام، احتلت “العملية” مكانه واصبحت بحاجة ل”صيانة” دورية من أجل صون “محركاتها” واستمراريتها وتجنب انهيارها وإنقاذ السلطة من السقوط. فأمر كهذا إن حصل فعلاً، سيكون المجتمع الدّولي أوّل من يتحمل المسؤولية عنه، كما سيُضطره إلى تحمل تبعاته السياسية والاقتصادية. لذلك، فهو حرص على الامساك بالعصا من وسطها كي لا يتدهور الوضع إلى هذا الحد.
“كَثُرت الأشجار، فلم نعد نرى منها لا الغابة ولا الثوابت الوطنية، وانخفض سقف طموح المواطن الفلسطيني من التطلع إلى التحرر وقيام الدولة الفلسطينية إلى اللهاث، يومياً، بين حاجز عسكري اسرائيلي وآخر، وراء تأمين لقمة عيش أطفاله. وأصبح هاجس عدم إمكانية وصول الراتب من المُموّل الأجنبي نهاية كل شهر يُلاحق الموظف لحظة بلحظة ويطغى على حُلم دحر الاحتلال والاستقلال.
لجأنا لسلاح الدبلوماسية الدولية، فاعتُرف بفلسطين، على مضض، عضوا مراقباً غير فاعل في الأمم المتحدة في أيلول عام 2012، ولكن، ذلك لم يغيّر شيئاً على أرض الواقع.
فالاستيطان استمر دون روادع دولية حقيقية تُذكر، كما الانتهاكات الاسرائيلية الاخرى. والضغوطات الدّولية بقيت كما جرت العادة من نصيب الفلسطينيين.
فاز “أوباما” في الانتخابات الأمريكية للمرة الثانية في العام 2013. وكان العديد من العرب والفلسطينيين قد تأملوا بانتخابه المرّة الاولى عام 2009 خيراً، ومنهم من نظر إليه على أنه المُخلّص المنتظر، إلى أن ثبت لهم أنه لا يختلف عمّن سبقوه كثيراً.
عاد ليُرسل مبعوثيه من جديد إلى المنطقة، وبدأ وزير خارجيته الجديد “جون كيري” جولاته المكوكية في المنطقة، الواحدة تلو الأخرى… وعد “كيري” الفلسطينيين في تموز الماضي بمولوده الجديد بعد تسعة شهور، أي في نيسان الجاري. منحه الاسم مبكراً قبل أن يتأكد من أنه سيلد بالفعل وسيكون طبيعياً. أطلق عليه اسم “اتفاق إطار”.
ها هي شهور “كيري” التسعة تُقارب على الانتهاء، ولكن بدون مواليد، وإنما مع إخفاق جديد يُضاف إلى سجّلات الادارة الامريكية التي ما زالت لا تُدرك بأن وساطة غير نزيهة لن تُثمر عن شيء.
أتمّ “كيري” حتى اللحظة 12 زيارة، في كل واحدة منها حمل معه تعديلاً على مبادرة سابقة للخروج من مأزقه الذي أوصله إليه الاسرائيليون، ولكن ذلك كان يُقابل بالرفض الاسرائيلي في كل مرّة وبمطلب تنازلي جديد من الفلسطينيين، إلى أن وصلت الابتزازات الاسرائيلية عتبة “البيت الأبيض” ذاته. فبدأ الضغوطات الاسرائيلية على الحليف الأمريكي من أجل إطلاق سراح الجاسوس الاسرائيلي، “جوناثان بولارد” من أحد سجون الولايات المتحدة.
عشرون عاماً من التفاوض العبثي مضت ولا يُمكننا أن نقول، اليوم، بأنّ إنجازاً حقيقياً واحداً يُذكر قد تحقق.
بعد عقدين من المفاوضات العبثية ها نحن نواجه فشلنا…
هل فشلنا؟ لماذا فشلنا؟ كيف فشلنا؟!
لا، نحنُ لم نفشل… نحنُ أُفشلنا… أفشلنا الاسرائيليون بتعنتهم والمجتمع الدولي بتقاعسه والوسطاء والمبعوثون بعدم نزاهتهم.
ها هي الحقيقة بعينها… نحنُ لم نفشل بالرغم من إخفاقاتنا…نحنُ أُفشلنا لأن هناك من لم يشأ لنا أن ننجح!


