تنطلق “إيران” بسياساتها التوسّعية في البلدان العربية من عقيدتها المذهبية. وهي لا تخجل بذلك ولم تَعُد تُخفيه، بل أصبح المسؤولون الإيرانيون يجهرون بذلك في أي مناسبة. ومن آخر التصريحات بهذا الخصوص، على سبيل المثال ولا الحصر، تلك التي جاءت على لسان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، اللواء “قاسم سليماني” في الذكرى السادسة والثلاثين للثورة “الخمينية” قبل بضعة أيام، حيثُ أعلن بكل فخر واعتزاز “أن مؤشرات تصدير الثورة الاسلامية باتت مشهودة اليوم في كل المنطقة من البحرين إلى العراق، مرورا ً بسوريا واليمن وحتى شمال افريقيا”!
من هُنا، فإن مصلحة الجمهورية الإسلامية “العقائدية” في “إيران” قد تقاطعت، بطريقة أو بأخرى مع أهداف الغرب عموماً والولايات المتحدة الامريكية على وجه الخصوص. فالأخيرة استطاعت منذ احتلالها العراق في العام 2003 أن تُشعل المنطقة وتُحرقها بنار الفتن المذهبية والحروب الطائفية بغرض إضعافها وتفكيكها إلى قبائل وطوائف وإثنيات دينية وعرقية. وهذا بدوره صبّ تلقائيا ً في رغبة “الجمهورية الإسلامية” في “إيران” لتصوير الصّراع العربي/ الفارسي على أنه صراعٌ ذو أبعاد طائفية ومذهبية، وشجَّعها على شن حملاتها الاستيطانية التوسّعية في المنطقة من خلال الجمع بين استنهاض “الغرائز” المذهبية لدن سُكّان البلاد العربية من الشيعة التي استعانت بهم لتشكيل ميليشيات جرى تأطيرها على أساسٍ مذهبي عقائدي من ناحية، ورفع شعارات ثورية مثل “الممانعة” و”المقاومة” و”أمريكا الشيطان الاكبر ورأس الحيّة”، من ناحية أخرى.
وقد نجحت “إيران”، إلى حد بعيد من خلال ذلك إلى خلق حالة استقطاب مذهبي شبه شامل من أجل تحقيق تمدّدها السياسي والجغرافي في المنطقة.
ويُشكّل لبنان، حيث تواجد ميليشيا “حزب الله” الإيرانية الولاء، مثالا ًواضحا ًللشرخ السياسي والجغرافي والطائفي الذي تسببت به “طهران” بين فريقي 14 آذار و8 آذار اللبنانيَين. أمّا التحالف القائم بين كل من “حزب الله” و”التيّار الحر” برئاسة العماد “ميشيل عون” في فريق “8 آذار”، فيقوم على مصالح متبادلة بين الطرفين وليس على أي برنامج سياسي أو نضالي أو اجتماعي أو ثقافي أو تنموي مُشترك. هو تحالف لا تتعدى أهدافه الحفاظ على توازن القوى الداخلية في نظام سياسي الكل يعلم بأنه قائمٌ على المُحاصصة الطائفية. ما يجمع “حزب الله” و”التيّار الحر” في فريق واحد، فريق 8 آذار، هو فقط العداء للفريق الآخر في 14 آذار وليس مصلحة لبنان بالتأكيد أو برنامج نضالي مشترك يهدف إلى تحرير أراضي عربية مُحتلة.
لقد شكّل “لبنان” لإيران نموذجا ً ناجحا ًاحتذت به فيما بعد لتشكيل “قوّاتها الشعبية” في بُلدان عربية أخرى كالعراق حيثُ “حزب الله” (العراقي)، وفي اليمن حيثُ “أنصار الله”.
أمّا على “الجانب الآخر”، “الجانب العربي السُّني” لِنَقُل، فإن العداء تجاه “إيران” لم يأخذ بالضرورة منحى مذهبيّاً حتى الماضي القريب على الأقل، ولكّنَه بدأ يظهر تدريجيا ًمع تَكشُّف حقيقة أطماع “ولاية الفقيه” في البُلدان العربية والحديث المُعلَن عن سعي “إيران” إلى إقامة “الهلال الشيعي”.
هذا بالطبع لا ينفي حقيقة أن بعضاً من العرب “السُّنة” كانوا يُكّنون العداء ل”إبران” من منطلقات مذهبية عقائدية، حتى من قبل أن تتضح أهداف “إيران” الاستعمارية في المنطقة. وهذا بدوره أصبح يُلقي بظلاله “سلبياً” اليوم على كل “سُّني عربي” يُحاول أن يتصّدى لأطماع “إيران” بدوافع سياسية صرفة، وليست طائفية أو مذهبية على الإطلاق ويشوّه صورته وحقيقة موقفه “السياسي”. هذا عدا كونه “يصب الزّيت على النار” ويُؤجج مشاعر العنصرية والكراهية بين العرب و”إيران” ويُشعِل نارَ الفِتَن الَمذهبية والحِقد بينهما بدلا ًمن إخمادها. فالحابل قد اختلط بالنّابِل، والحق بالباطل وأصبح يُزّج بكل من ينتقد “إيران” على قاعدة سياسية في خانة الإتهام بالطائفية والعنصرية وهو أمر خطير للغاية ويُدخِل الجميع في ظلام نفق السّجالات المذهبية التي لا تأتي بشيء سوى الدّمار والكوارث التي لن تستثني نارُها أحداً. كما أنها تخدم مصلحة الولايات المتحدة، ونقول “إيران” أيضا ً للأسف، حيثُ أن الطرفين يَسعيّان، كلٌ من منطلقاته، إلى تصوير الصّراع العربي/ الفارسي على أنه صراعٌ “طائفي” و”مذهبي” بين الشيعة الإيرانيين والسُّنة العرب.
فالولايات المتحدة والغرب عموما ً يريدون لهذه المنطقة أن تكون ضعيفة ومُفكّكة إلى قبائل وطوائف وإثنيات وطوائف ومذاهب من جهة، و”إيران”، “الشيعية” العقيدة تسعى من ناحية أخرى إلى أن تظهر بصورة الضّحية التي يَضطّهدُها العرب الذين يتبعون بغالبيتهم المذهب “السُّني”. فذلك يُشكّل لها مُبرّرا ً مَعقولا ً ومنُاسبا ًلبسط نفوذها في المنطقة كضربة استباقية وقائية.
وبالمناسبة، لا نستطيع أن نَغفل هنا أن أساليب “إيران” هذه تُشبه إلى حَدّ ما تلك التي استخدمتها الحركة الصهيونية قبل أكثر من ستة عقود مضت عند احتلالها للجزء الأوّل من فلسطين عام 1948 والثاني في العام 1967. ف”إسرائيل” حاولت أن تُظهر دائما ًبأنها مُضطَهدة “أوروبيا” ومكروهة “عربيا ” ومُحاطة ب 22 دولة عربية تُعاديها وتسعى إلى القضاء عليها. وهكذا تمكّن الإسرائيليون من كسب الرأي العام العالمي إلى جانبهم في معظم الاوقات، إن لم يكن جميعها.
عطفا ً على ما سبق، فإن مصلحة العرب تقتَضي التّأكيد دائما ًوأبدا ًعلى أن الموقف من “إيران” وسياساتها وأطماعها التوسُّعية في المنطقة هو موقفٌ سياسي محض وليس “مذهبيا ً، وبأن العرب يُرّحبون ب”إيران” إن اختارت هي، أي “إيران”، بدورها أن تكون “جارة ” للعرب، تحترم علاقات حُسن الجوار وحدودها وسيادة العرب على بلادهم، ولا تستغل حالة الضعف والانهيار التي يمر بها “جيرانها” لتبرر التّدخُل بشؤونهم وانتهاك حُرمة عواصمهم واحتلالها من خلال إستنهاض مشاعر العداء في نفوس العرب الشيعة، سُكّان البلاد العربية، الذين طالما عاشوا مع السّنة جنبا ً إلى جنب على الحلوة والمُرّة تحت سقفٍ قومي واحد.
إن من يتَّخذ موقفاً (مذهبيا ً) عدائيا ًإزاء “إيران” من ” العرب السّنة”، لا يُسيء فقط لصورة الآخرين الذين لا يرون في “إيران” أكثر من تهديد سياسي وثقافي واستعماري قبل أي شيء آخر، وإنما أيضا ً يُدّعمون ادعاءات “إيران”، ومعها الولايات المتحدة والغرب أيضا ،ً بأن صراع “طهران” مع العرب هو صراع عقائدي مذهبيٌ وليس صراعا ً عربيا ً/ فارسيا ً سياسيا ً وثقافيا ً و”هويتياً”، إن جاز التعبير.


