رَعد |

رَعد

لا أدري إلى أي سن يستطيع الإنسان أن يعود بالزّمن إلى الوراء ليستحضرَ ما انغرس في وجدانه من ذكريات أولى لكّن المشهَد لا يزال ماثِلاً أمامي وكأنّه بالأمس القريب مع أنّني لم أكُن قد تجاوزت الرّابعة عندها. إنّهُ حُزيران في العام 1967. لم أُدرك ما الذي كانَ يدور حولي ولماذا كُنّا، نحنُ أفراد العائلة قد تجمّعنا في ممّر ضيّق يَفصِلُ بَينَ غُرَف النّوم في بيت الجدّة لناحية الوالد، إم حنّا. الممّر مُعتِم…لا نوافِذَ فيه. وقد تمّ تَغطية زُجاج الشبّابيك في غُرَف النّوم على جانبَيه والصّالة المُجاورة المُطّلة على الحديقة بِورقٍ أسود قاتِم. رُغم الإرباك الذي كانَ ظاهِراً عليهم إلّا أنّهم كانَوا يطلبون منّي أن أرقُص. يتظاهرون بأنّهُم مَسرورون مع أن وجوهَهُم لا توحي بذلك. يُصّفقّون لي بحماسة كَي يُشّجّعونّني على رفع يَدَي إلى أعلى في الهواء وأبدأ بهز وسطي. لقد أرادوا أن يحَرفوا نَظري عمّا يدور خارِج البيت ليُشعرونَي بالأمان وبأنّ الحياة تسير بشكلٍ طبيعي. بدوري لَم أتردد. كُنتُ أتجاوَب بسُرعة مع دعواتهم. كانَت الرّقصة تَطول ولا يُعكّر صَفوَها إلّا هَديرِ الطّائرات الصّاخب. يَسود الصّمت فجأة وأتوقّف أنا عن رقصتي وأبدأ بترديد السؤال بِلَكنة طفوليّة بريئة، ما هذا؟ ما هذا؟ فيرُدّ الجَميع بصوتٍ واحد هادىء مثل الكومبارس، لا تخافي، إنّهُ الرّعد. لم أُدرِك أنّ في فلسطين حيثُ فصول السّنة الأربعة واضحة كالشّمس وتفصل بين الواحَد والتّالي تَواريخٌ مُحدّدة يُمكن أن يُفاجئك “الرّعد” في “حُزيران” إلّا عندما كبرت.

 

إطفاء شمعتي الخامسة وسط جو عائلي/ نبسان 1969 

لم تمضِ إلّا سنواتٍ قليلةٍ على “عام الرّعد” حتّى بدأتُ أعي قليلاً ممّا كانَ يَدورُ حولي. لقد تَرافقَ هذا مع تَرديد العبارة “وسلامي لكُم يا أهلَ الأرض المُحتلة يا مُنزرعين في منازلكم” في رأسي. كانَ هذا مقطعاً من أُغنية “جسر العودة” لفيروز. وبما أنّني كُنتُ أَسمعهُ كثيراً كمُقدّمة وخاتمة لبرنامج كانَت تبثهُ الإذاعة الأردنيّة يوميّاً ظُهراً فقد حفظته عن ظهر قلب ورَسَخَ في عَقلي. كانَ البرنامج الإذاعي يَحملُ إسم “رسائل شوق” وتُقدّمه كوثر النشاشيبي. وقد خُصّص للفلسطينيين الذين انتهى بهم اللّجوء في الضّفة الشّرقيّة بعد نَكسة العام 1967 كي يُرسلوا تَحاياهُم وأشواقَهُم إلى أحبّتهم وذويهم في الضّفة الغربيّة ويُطمئنوهم عن أحوالهم.

لاجئون فلسطينيون يقطعون جسر الملك حسين من الضّفة الغربيّة إلى الشّرقية عام 1967 

كانَ “رسائل شوق” مُشابِهاً لبرنامِج آخر قد بدأت ببثّه الإذاعة الإسرائيليّة بالعربيّة نهاية الخمسينيّات يحمل اسم “سلاماً وتحيّة”. كانَ البرنامِج يبدأ وينتهي بمقطع أغنيّة أخرى لفيروز وهُوَ “جايبلي سلام عصفور الجنايِن” وكانَ مُخصّصأ للفلسطينيّين داخل المناطق الفلسطينيّة المُحتلّة عام 1948 ليبعثوا ببرقيّاتٍ صوتية مُختصرة عبر الأثير الإسرائيلي لأشقّائهم وأُقاربهم في الضّفة الغربيّة والتي بقيت تحت الوصاية الأردنيّة قبل أن تقع في قبضة الإحتلال الإسرائيلي في “عام الرّعد”، أي عام 1967.

بقايا جسر الملك حسين عام 1967

بعد مرور بضعة سنوات على نكسة العام 1967 وفي مُنتصف سبعينيّات القرن الماضي تَحديداً بدأت تنتشر ظاهرة بَث نشرات إخبارية مَسائيّة بلُغات غير العربيّة على بعض محطّات التلفزة العربيّة الرّسميّة. كانَت النشرات الإخباريّة، التي يُفترض أنّها موجّهة للجمهور الإسرائيلي… وإلّا لِمَن، كانَت تلك النشرات مُترجمة حرفياً عن تلك التي تُبَث بالعربيّة بكُل ما تشمله من إعتزاز بإلحاق أبشع الهزائم الوهميّة بالعدو والتهديد برمي اليهود في البحر عاجِلاً أم آجِلاً وإشادات بحِكمة وشجاعة القائِد العربي المُفدّى وذلك دون أدنى إعتبار إلى ضَرورة التمييز الذّكي بينَ “جُمهورَين” أحدهما يُمثّل الجلّاد والثّاني ضحيّته.

غلوريا ستيوارت أشهَر مُقدّمات النشرات الإخباريّة باللّغة العربيّة في التّلفزيون الإسرائيلي في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي

سُلطة البَث الإسرائيلية، وعلى عكس قَنوات التَّلفزة العَربيَّة الرّسميّة لجأت منذُ اليوم الأوّل إلى تَخصيص برامج إذاعيّة وتلفزيونيّة باللغة العربية مُوَجَّهة للفلسطينيين والعرب عموماً. كانَت النشرات الإخباريّة التي تبثّها بالعربيّة مُختلفة من حيث المضمون عن تلك التي كانَت تستهدف الجُمهور الإسرائيلي. كانَ الخطابٍ الإعلاميّ الإسرائيلي بالعربيّة يقوم على المُزاوجة بين تكريس شعور الهزيمة في نُفوس الفلسطينيين التي ألحقتها بهم القيادات العربيّة من جهة، وزَرع فكرة تَقبّل التَّعايُش مع الهَزيمة والتّسليم بواقِع الإحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى. كما أنّها كانت تَصِف مُنظّمة التّحرير الفلسطينيّة بالمُنّظمة التخريبيّة التي يحظُر إقامة أي علاقة أو اتّصالات معها. أمّا الخِطاب الإعلامي المُوجَّه للجُمهور الإسرائيلي باللّغة العبريّة فقد كانَ مُختلفاً وعَمَدَ إلى تعزيز ثقة الإسرائيليين بقادَتِهم وبتفوّق هذا الكيان الإحتلالي حديث النشأة عسكريّاً على العرب.

لم تَخلُ النشّرات الإخباريّة التي كانت تَبِثُّها بَعضُ قنوات التّلفزة العربيّة الرّسميّة بلُغة عبريّة ركيكة من نبرة التّهديد والوعيد للعدو وتحذيره بأنّ أيّامَهُ باتت معدودة، في حين كانت تلك النشرات الإخبارية التي يبثّها التلفزيون الإسرائيلي بالعربيّة تللؤكّد بالمُقابِل مِراراً وتِكراراً على هَزيمَة العَرَب. هزيمة استغرقنا عقودًا لنصدق أنها وقعت فعلًا.

 

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة