لم تتوقّع “إم هاكوب” يوماً أن تشاء “القسمة والنصيب” لها الإنتقال من الشّام إلى القُدس إلّا عِندما أسَرَ أبو هاكوب قَلبها قبلَ سِتّينَ عام. لم يكُن حُبّاً من النظرة الأولى أو زواجاً جاءَ بعد قصّة عِشق عَصَفً بينَ قَلبَي حبيبَين أو ارتباطاً تمّ بعد سِلسِلة لقاءات تَعارفيّة بينَ خَطيبَين فَحَسب وإنّما بكُل بساطة كانت زيجة كغيرها مِن الزيجات في ذاكَ الوقت تمّت بوساطة إحدى عمّات أبو هاكوب اللواتي كُنّ يَعِشنّ في الشّام وتربطهنّ علاقات طيّبة بوالدَي أم هاكوب. فاختلاس النّظرات قبل عقد القران رسميّاً كانَ من المُحرّمات غَير المسموح به. كما أنّ الحُب قبل الارتباط رَسميّاً بينَ الشّريكَين كانَ مِن المَحظورات. وخروج البِنت مع عريس المُستقبل قبل الزّواج وِفق عادات وتَقاليد تلك الأيّام كانَ مِن سابِع المُستحيلات.
لقاءٌ وحيد فحَسب ذاكَ الذي جرى بينَ والِد أم هاكوب وأبو هاكوب على هامش إحدى سفريات عمل “الأخير” على خط القُدس/ الشّام مُنتصَف العام 1958 تمّ خِلاله الاتّفاق بينهما على كافة تَرتيبات العُرس في القُدس بعدَ شَهر، ولَم تكُن “إم هاكوب” قد تجاوزت الرّابعة عشرة من عمرها يومها. أقامَ أهل العَروسَين لهُما حَفلَ زَفافٍ مُتواضِعٍ حضرُه عدد قليل من أقرِبائِهما قَضى بعدَه العَروسان لَيلَتَي شهر عسل في أحد فنادِق المَدينة لينتقلا مِن ثمّ إلى قفصهِما الذّهبي في بيت والدَي أبو هاكوب الكائن في الحَي الأرمني في البلدة القديمة في القُدس.
لم تَجِد أم هاكوب صعوبةً بالتأقلُم مع حياتِها الجَديدة في مَدينة القُدس وبقيَت الكِنّة التي تعيش في بيت حَماها إلى أن رُزِقت وأبو هاكوب بِطفلهما الثّاني بعد ثلاثة أعوام ليُقرّرا عندها الشَّريكان السكَن في بيتٍ مُستَقِل ذي مساحةٍ أكبر خارِج أسوار القُدس حيثُ تعرّفَت أم هاكوب إلى جارَتِها في الشّقَة المُقابلة أم خليل وتوطدّت العلاقة بينهما مع مُرور الزّمن. فلَم يكُن ليمُر يومٌ دون أن تلتقي إم هاكوب بجارة العُمر. تَحتسيان القهوة معاً في الصّباح ومن ثمّ تُقَلّب كُل واحدة منهما فنجانها على الصينيّة لتقرأ للأخرى ما يُخبئه البخت لها بعد أن كشفته آثار القهوة المُترّسبّة في كعب الفنجان.
كانَت أم خليل أكثر الرّفيقات المُحبّبات إلى قَلب أم هاكوب. تَسرِدان ذكرياتِهما في كُلٍّ مِن الشّام وفي حَي َالقطمون، أحد أجمل أحياء القُدس الغَربيّة الذي كانَت تُقيم فيه أم خليل وعائلتها قبلَ أن يقع في قبضة الإحتلال الإسرائيلي عام 1948. تتبادلان الخِبرات حولَ طُرُق إعداد المأكولات الشرقيّة والحلويّات الشّاميّة وتتباريّان في ترديد الدَندنات الصّباحية والأهازيج الشّعبيّة التي شاعَ سماعها عبر الإذاعات العربيّة وفي أفراح وأتراح تلك الأيّام وحفظتاها عن ظهر قلب.
مرّت سنوات تِلوَ سنوات أصبَحَت خلالها العلاقة بين أم هاكوب وأم خَليل وثيقةً جداً ولَم يُعكّر صفوَ “صُبحِيّاتهما” الهادئة شيءٌ إلّا في ذاكَ اليوم من أيّام صَيف شهر حُزيران عام 1967، عام الرّعد عندما ضَجّت سَماء القُدس بصوت هَدير الطائرات. وقعَ فنجانا القهوة من بين يدَي أم هاكوب وأم خليل قبلَ أن يُتاح لهما رؤية ما رسمته بقايا القهوة من خُطوط. انكسر وملأت شظاياه الزّجاجيّة الجارِحة أرضَ غُرفة الجُلوس.
إلى ما قبلَ ذاكَ التّاريخ ظلّت أم هاكوب تَعشَق القُدس. تتغنّى بِجمالها كما لو أنّها مِنها. كانَت كُلّما سألها أحدٌ إن كانَت سعيدة في المدينة تُجيب بلكنة شاميّة أرمنيّة، “قُدس بلدي تاني، بحبّه كثير مثل ما بحب شام”. آلَمها ما حلّ بالمَدينة وتآكلها القلق مِن عدم تمكّنها الذّهاب إلى الشّام لرؤية والِدَيها أوعدم استطاعتهما هُما أيضاً بالمُقابل زيارتها في القُدس كما كانَ عليهِ الحال قبل الخامِس من حُزيران من ذاكَ العام المشؤوم.
كانَ حنينها إلى ذكريات طفولتها في الشّام يشتَد كُلّما سَمعت صباح فخري يُردّد أغنيتَه الشّهيرة، “يا مال الشّام يلا تعالي” عِبر أثير المحطات الإذاعيّة. أمّا إم خليل، فلَم تكُن بأفضل حال من أم هاكوب كَي تُواسيها وتُخفّف عنها كَربَها. وكُلّما كانَت ترى دُموع جارَتها تَنهمِرُ بصمت على خدَّيها تتَذكُر هِيَ الأخرى نكبتَها عام 1948 وَتجتاحُها الذكريات الجميلة مع الأحبّة والأصدِقاء في حَي القَطمون الذينَ تَشّظّوا كفنجانَي القَهوة في مَهاجِر ومَنافي الكوكَب. تَضَع في ما بعد كفّيّها على رأسِها وتبدأ تُدندِن بحُزن “سكابا يا دموع العين سكابا تعي وحدِك ولا تجيبي حدابا”، بينما “البريموس”، أي بابور الكاز النُّحاسي في خَلفيّة المَشهَد كانَ يصفر وراءَهما مستقتلاً ليَلفِتَ انتباه أم هاكوب وَأم خليل لتُخلّصّاه مِن عبء طنجرة المَقلوبة التي احترَقَت وملأت رائحتها أرجاء البَيت.
للحَديث بقيّة…



