كِتاب  |

كِتاب 

لَم أُدرِك أن الأمر سوفَ يُغضِبها إلى هذه الدّرجة. كأي طفلة في سِنّي كُنتُ فُضوليّة. أرغب باستكشاف ما حَولي. أحِبُ أن أقلّدَ أمّي وأَتقمّص شخصيتَها أحياناً. أَغرقُ بالبَحث والنّبش في دولاب مَلابسِها. أتناوَل ما يُعجبني من أثوابِها، أرتديه لِأمضيَ ساعاتٍ أخرى أمام المرآة وأنا أنظر إلى مَظهَري. أَختار حِذاءً بِكَعبٍ عالٍ لِأدخِلُ قَدميّ الصّغيرَتَين فيه. وبالطّبع لا أنسى أن أضعَ أحمر الشّفاه على شَفَتَي وطلاءً زَهريّ اللّون على أظافر يَدَيّ. أَتناوَل من ثمّ عُقداً جميلاً مِن أحد ألأدراج لأزيّنَ به عُنقي لأبدوَ وكأنّني امرأةً في بداية ثلاثيناتِها. وبعدَ أن أَنتهي مِن كُل هذا وذاك أُهروِل إلى المَطبخ لأفاجئها بينما هِي مُنشغلة في إعداد الطّعام. تَنظُر إلي بِصَمت لدقيقتَين ثُمّ تَبدأ بعدها بالضّحك دونَ تَوقّف.

لم يُزعجها يوماً فُضولي البريء أو تظاهُري بأنّني سيّدة مثلها. كما لَا أذكًر أنّها وبّختني مرّة لأنني دَخلتُ غُرفتَها وعبثتُ بأغراضها الخاصة دونَ استئذان. كانَت تتركني وشأني أخوض التّجربة بِحُريّة إلى أن أمّل بإرادَتي مِن “اللّعبة” وأُعيدَ في ما بعد كُل شيء إلى مكانه وأصبِح  طفلتَها الصّغيرة المُدلّلة من جديد. هذا دونَ أن يَفوتَها أن تُذكّرني دائماً بأنّ على الإنسان أن يعيشَ كُل مرحلة من مراحل حياتِه كما هِيَ، يستمتِع بِها دونَ تَصَّنُع أو تكلّف أو تقليد مَن هُم أصغر أو أكبَر منه. بقيَ الحال على حالِه أيّام وسنين إلى ذاكَ اليوم الذي انقلَبَ فيهِ الإستثناء على القاعدة.

الوالدة وسط الصّورة

فبينما كُنت أحد الأيّام أبحَث وأنبِش في الأدراج وأستعِد لمُمارسة هوايتي المُفضّلة وَقعت عيني على كِتاب في أحدِها. أَمسكته بيدي، تأملتُه بضعة دقائق وقلّبتُ صفحاتِه. حاوَلت أن أفُكَّ بعض الحُروف وأن أتعرّف على هويّة صاحِب الصّورة على غِلافه. مَن هذا؟ مَن هذا الرّجل يا ترى الذي يَضَع نظّارة سوداء على عَينيه؟ مَن هُو هذا الذي يُغّطي شعرَ رأسه بقطعة قُماش بيضاء تتقاطعها خُطوطاً سوداء بالطّول والعَرض؟!

أخذتُ الكِتاب وركضتُ به بِسُرعة إلى غُرفة الجُلوس حيثُ كانَت تُشاهِد أمّي النشرة الإخباريّة. نظَرت إلى الكِتاب بيدي. رمقتني بنظرة غَريبة لا تنُّم عن الرِضا. لم يكُن رَد فعلها هذه المرّة كما عهدتُه. كانَ على عكس المرّات السابقة. اعتلت ملامح الغضب الممزوجة بالذّعر وجهها. انتزعت الكتاب من يدي وراحت تَلومني على العبث بأغراضِها دون إذنها. لَم أفهم لماذا أجّجَ تَصرُّفي بركانًا كنت أحسبه خامدًا في داخلِها. صَدَمني انفعالها وبدأتُ أُكرّر اعتذاري لها مرّة تلو الأخرى عَمّا فعلت. لَم أَعلَم سبب كُل هذا الغضب إلّا بعد سنوات عندما بدأَ وعيي السّياسي والثّوري في مرحلة دراستي الثانويّة يَتبلور. عندها بدأتُ تدريجيّاً أفهم حقيقة ما كانَ يدور من حولي. أدركتُ أن تلك الصّورة على الغِلاف تعود للرئيس الفلسطيني الرّاحِل ياسر عرفات (أبو عمّار) وبأنّ قطعة القماش ذات اللّونين الأسود والأبيض التي يضعها على رأسه تُسّمى كوفيَة وباتَت اليوم رَمزاً فلسطينيّاً تراهُ معروضاً في أسواق وبازارات العالم. عَثرتُ على التفسير لذُعر وغضب أمّي ذاكَ اليوم حيثُ القوانين العسكريّة الإسرائيليّة التي وضعها الإحتلال الإسرائيلي بعد احتلال الجُزء المُتّبقي من فلسطين عام 1967، عام “الرّعد” كانَت تحَظُر على الفلسطينيين بيعَ أو شراء أو اقتناء كُتباً ذات علاقة بِمُنظمّة التحرير الفلسطينيّة على اعتبارها مُنظمة “إرهابيّة”.

لم تكُن الوالدة قِياديّة أو ناشطة في حِزبٍ سِرّي ما أو كادِراً في فصيلٍ سياسي أو عضواً في تنظيم إرهابي. كانَت سيّدة هادئة، أُم مسؤولة، موّظفة مُثابرة تَذهب إلى عملها في الصّباح الباكِر وتعود إلى البيت بعد الظّهر لمُباشرة تَدبير الأمور المنزليّة. لا أدري كيفَ وصلَ هذا الكِتاب الذي يتناول سيرة حياة ياسر عرفات إليها! هل اشترته سِرّاً من أحدٍ من باب الفُضول والرّغبة في إغناء ثقافتها السّياسيّة يا ترى؟! هل قدّمه لها أحد زُملاء العمل مثلاً أو طلب منها آخر أن تُخفيه لهُ في سابع أرض خوفاً من الإعتقال؟! هل أرسله لها أحد أشقائها أو أقاربِها الذين تناثروا في مهاجر الأرض بعد نكبة العام 1948 بالبَريد؟! إلى اللّحظة لا أعلَم سِر هذا الكِتاب لكنّني لا زِلتُ إلى اللّحظة أرى القلق في عينيّ أمّي ذاكَ اليوم.

 

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading