لا زِلتُ أَحتفِظُ بِه منذُ أعطتني إيّاه قبلَ أربعينَ عاماً لأَخُطَّ لها على إحدى صفحاته الوَردية بضعة سُطور للذكرى. نَسيت المَوضوع وبَقِيَ عندي إلى أن وجدتُه بينَما كُنتُ أنبش أوراقاً وصُوَراً قديمة. لَم يَنَل الزّمن مِنه ولم يتأثر بأحداثٍ عَصفت بالمكان في أزمانٍ مُختلفة. ظلَّ على حالِه وكأنّني استلمته منها بالأمس القَريب. تنقّلَ في حَقيبتي مِن بيتٍ إلى بيت وَمِن بِلدٍ إلى بِلدٍ دونَ أن أَنتبه وكأنّه اقتنصَ اللّحظة المُناسبة وتعمّدَّ أن يُفاجئني بظهوره بعد كُل هذه المُدّة فَيُحَفّزَ ذاكِرَتي ويُثري مُدّونتي.
جَرَت العادة مع قُرب إنتهاء كُل عام دِراسي وبدء الاستعداد للعُطلة الصيفية السّنويّة نهاية “أيّار” أن نَتبادل نحنُ بَنات الصّف “الأتوغرافات”. و”الأوتوغراف” دَفتر صغير صَفحاتُه مُلوّنّة وغِلافه في العادة عبارة عن صورة لزهرة أو حيوان أليف أو منظرٍ طبيعي أو حَبيبَين يَسيران على شاطىء بَحر، نَخكتُبُ فيه لِبعضِنا البعض بضعَ سُطورٍ للذِكرى، َنُرفِقُها أحياناً بِرُسومات أو مُلصقات صغيرة إلى جانِب التَّوقيع.

سُطور مِن أتوغرافي تَعود إلى أكثر من ثلاثينَ عاماً
أكثر من خمسة وثلاثينَ عاماً مَضوا على تَخرّجي من كلية شميدت للبنات في القُدس عام 1982، مَدرسة البَنات الألمانيّة العَريقة التي دَرَست فيها الوالدة وشقيقاتها السّت من قَبلي. قَضيتُ في تلك المدرسة عَشر سنوات من عمري بمراحلها الثلاث، الإبتدائية والإعدادية والثانوية لا أزال أحملُ معي منها الكَثير مِن الذّكريات بأدق تَفاصيلها. المُعلّمات، الأساتذة، أسماء بَنات الصّف، أحاديث تبادلناها وَأسرار بُحنا بِها لبعضنا البعض، هُموم تشاركناها وَأفراح وَأحزان عِشناها معاً.

مبنى كُلّية شميدت للبنات التّاريخي في القُدس والذي شُيّد عام 1886
أذكُر مِس “أنّا” بوجهها السّمح الذي كان يَبعث على الرّاحة والاطمئنان فينا كأطفال في المرحلة التمهيديّة.
أذكُر مِس هُدى وحِصص الحساب قبل أن تغزو الرّياضيات المُعاصرة مناهجَنا وَتُربِكنا. لم تُفارق الابتسامة وجهها ولم تستطِع أن تُخفِيَ ضحكتها كُلّما رفعت سبّابتي للاستفسار عن أسباب التمييز بتوزيع الميراث بينَ الإناث والذّكور في المسائِل الحِسابيّة المَطلوب منّا حلّها. كانَ الحُصول على رَدٍ منها أهم بالنسبة لي من الانشغال بحل المسائل ذاتها.
أذكُر مِس ميمي وحِصص اللّغة العربيّة وَمِس إيفيت ودروس “الإنكليزيّة” في المرحلة الابتدائيّة.

بضعة سُطور تِذكاريّة من أتوغرافي الخاص بقلم الأستاذة إيفيت كُتّاب مُدّرسة اللّغة الإتجليزيّة
أذكر مِس نادية في عِقدِها الثّاني بِبشرتها قَمحيّة اللّون وشعرها الأسود المَسدول على كَتفيها وكأنَ جمالَها الشّرقي جاء ليَضيفَ وهجاً لطلاقة لسانها بلُغة الضّاد. أذكُر حِصص النّحو والقواعد والشّعر والبلاغة معها في نِهاية المرحلة الابتدائية.

سُطور بقلم الأستاذة هُدى هدمي مُدّرسة مادة الرّياضيّات
أذكُر مِس إلن وحصص الجغرافيا والمسطرة مُتعددة الاستخدامات التي كانَت تَحمِلُها دائماً في يَدِها. تُلوّح بها تارَةً لتوبّخنا وتُشير بها تارةً أخرى إلى خريطة الوطن العربي المُعلّقة أمامنا على الحائِط.
أذكر مِس سامية وحِصص التّاريخ التي كانَت في العادة فترة بعد الظّهر، حيثُ كانَ تعب اليَوم يبدو جليّاً على وجهها والنّعاس قد تغلّبَ عليها، وعلينا أيضاً.

سُطور تِذكاريّة بقلم الأستاذة سامية الحُسيني مُدّرسة مادة التّاريخ
لا أزال أذكر الأستاذ آرثر القادِم من أُسترالي وَعينيه الزرقاوين، وقد انضمّ إلى الطّاقِم التّدريسي في كُلية شميدت عندما كُنتُ قد وَصلت المرحلة الإعدادية، ليُكمل معنا مسيرة تعلّم “الإنجليزيّة”. كما أنّني لا أنسى أستاذ حِجّة بلكنته الخليلية المطّاطة وكيفَ تمكّن مِن أن يَجعَلَ مِن مادَةِ الرّياضيّات المُعاصرة الجامِدة والطارئة علينا موضوعاً مُمتعاً وأقلَ تعقيداً.
أذكر أستاذ جورج، وهوَ الآتي بِنشاطِه صباحَ كُل يوم إلى القُدس من مَدينة بيت لحم جَنوباً ليُباشرَ معنا مسيرة تَعلّم “العربية” في المرحلة الإعدادية ومِن بَعدِه أُستاذ خالدي وَدروس “العربيّة” في المرحلة الثّانويّة.

صورة مع بنات الصّف في الثمانينيات
لا أزال أذكر مِس غادة وحِصص الأحياء، ومِس سميرة وحِصص العُلوم، ومِس نَظيرة والأب أنطون وحِصص الدّين.
لا زلتُ أذكر الأخت “كونستانسيا” الألمانية وعزفها الجَميل على الجيثارة وحِصص رَقص الباليه على أنغام بُحيرة البجع، والأخت “راديجوندس” وعصبيتها المُفرطة في حصص الكيمياء ورَمي الطّبشورة علينا كُلّما غَضِبَت من ثَرثَرتِنا في الصّف.
لا زلتُ اذكر الأخت “ريناتا” ودُروس “الألمانية” وثِقل ألفاظِ اللّغة وصُعوبة قواعدها.

صاحِبة المُدّونة ترتدي قُبّعة وتؤدي دوراً تمثيليّاً على خشبة مَسرح المدرسة
ومّن ينسى “السير فاهيه” بلكنته العربيّة الأرمنيّة وعَزفِه على البيانو والأكورديون في قاعة المَدرسة وتَدريبنا يوماً تلو يَوم لساعات على الغناء استعداداً للحفلَين المدرسيّين قُبيل عُطلة الميلاد المجيد في شهر كانون أوّل ونِهاية العام الدّراسي في بِداية فصل الصّيف كُل عام. كَم كانَ يُضحكنا كُلّما ذكّر المؤنث وأنّث المُذكّر وصَرخَ بغَضَب “اقعُد” بدلاً من اقعدي و”اسكُت” بدلاً من اسكتي.
ومَن يَنسى مِس آية وخِفّة ظلّها وَنُكاتِها في حِصص الفن والرّسم والأشغال اليدوية والمسرح والتمثيل والتدبير المنزلي.
لا أزال أذكُر أستاذ ميشيل وحِصص الرّياضة والجمباز وكرة السّلة وكرة اليد واستعداداتنا للمهرجان الرّياضي الدّوري الذي كانت إدارة المدرسة تُنّظمه سنوياً مع اقتراب نهاية العام الدّراسي.
ومَن يَنسى أيضاً مِس أنجيل، مُديرة كلّية شميدت للبنات التي كانت تُباغِتنا بجولاتها التّفَقّدّيّة لتتأكد بنفسِها أنّ العمليّة التّربويّة تَسير على ما يُرام وبأنّ أظافِرَنا قصيرة وزيّنا المدرسي نَظيف وكما يَجِب أن يَكون.
أذكر تمرّدنا الثوري وسِجالاتنا معها كُلّما حلّت ذكرى وَطنية خلال العام عندما كانت تَشهد مدينة القُدس وسائر أنحاء الضّفة الغربية المُظاهرات والاحتجاجات والإضرابات التّجاريّة. كَم من الجُهد كُنّا نبذل لإقناعها بواجب إغلاق المدرسة تماشيّاً مع الظّرف. نَغضَب ونَحتَج ونَعترِض في حُدود الأدب والاحترام عندما كانت مطالبنا تَلقى الرّفض، لكّننا لم نيأس. نُواصل المُحاولة إلى أن نصِل معها إلى حلول وسَطيّة تَقضي بِتعليق التّدريس لساعتين أو ثلاث فقط والسّماح لنا بالاعتصام خلالها في المَلعب داخل أسوار المدرسة وتَرديد الأناشيد الوطنيّة. ومن ثمّ، نَعود إلى صفوفنا بِهدوء لإستكمال الدّراسة.
لقد استغرقنا أربعين عاماً لنُدرك بأنّ مِس أنجيل كانت على حق وبأن التّعلّم هو أهم ما يجب أن نتسّلح به.
لا أزال أذكر بنات الصّف، سحر وإيناس وَتَنافُسنا على المرتبة الأولى في الصّف مع انتهاء كُل فصلٍ دراسي.
أذكُر التوأم سناء ووفاء واللتَين كان الشّبَه بينهما كبيراً َيَصِل حَد أن تَنوب إحداهُما عن الأخرى خلال العِقاب الذي كانَ شائِعاً، حيثُ يُطلَب مِن “المُذنِب” الوقوف في إحدى زوايا غُرفة الصّف ووجهه نحو الحائِط.
أذكر مها وريم اللتين كانتا تُقيمان في القسم الدّاخلي من المدرسة وتَذهبان إلى غزّة لقضاء الإجازة الأسبوعيّة مع أسرتَيهما، وكيفَ كُنّا ننتظر عودتهما بفارغ الصّبر مِن غزّة لالتهام الدّقة الغزّاوية.
لا أزال أذكر كيف كانت مُربيّة الصّف تَختار واحِدة مِنّا عَريفة صَف بشكل دَوري، مِن مَهامها رفع التقارير إلى “الهيئات العُليا” عن أي سوء سلوك أو تصرف يصدُر عن بَنات الصّف. لا أذكر أبداً أنّ واحِدةً من عريفات الصّف وَشَت بأخرى، وكأنّ عَقداً أخلاقيّاً ضمنيّاً كانَ يَجمَع بيننا على ذلك.
لقد كُنّا في الصّف أسرة واحدة “على الحلوة والمُرّة”، حتّى لو كان ذلك ليُكلّفنا الطّرد جماعيّاً من المدرسة وحِرماننا من حفل التّخرّج.
أذكر رِحلاتنا المَدرسيّة في ربُوع فِلسطين للتَعرُّف على مصانِع النّسيج في بيت جالا والزّجاج في الخليل والصّابون في نابلس.
أذكر مِس جورجيت التي كانت تُرافقنا أثناء عودتنا إلى بيوتنا في حافلة المدرسة الخاصّة، وكيفَ كانت في العادة تَطلب من السّائق أن يَتوقف لِدقائق أمام مَخبَز وادي الجوز كَي تَشتري منه رُزمة أرغفة للبيت. كانت رائحة الخُبز شَهيّة، تَفوح من الفُرن عن بُعد أميال.
أذكر ساعات الدّراسة الطّويلة حتّى الفجر استعداداً لامتحانات الثانويّة العامة، “التّوجيهي” وزَمناً جَميلاً قضيناهُ مَعاً في الحديث عن الاستعداد لِحَفل التَّخرُج. نِقاش مُستفيض حولَ أفضَل الأقمشة وأماكِن بَيعِها، أفضَل الخَيّاطين في القُدس، وتَصميم الأثواب البيضاء طَويلة التي سوفَ نَرتديها في ذاكَ اليَوم المُنتَظَر. أذكُر كيفَ وقفنا مثل العَرائس على خشبة المسرح في صيف العام 1982، نُردّد سَويّاً النّشيدَ المَدرسي وَنَستَلِم الشّهادات ونُهنّىء بعضَنا البَعض لنطويَ معاً أجمل صّفحات العُمر ولِتشقّ كُل واحدة منّا فيما بعد طريقَها نحوَ المُستقبَل في هذه الحياة وَلأعثُرَ أنا بعد خمسة وثلاثينَ عاماً على أتوغراف أَمَل بينَ صُوري وأوراقي.

صورة أمام مبنى المدرسة في يوم التّخرج، 1982
نُشِرَ في 4 آذار، مارس 2021


