لا يزال صوتُها العَذب يَلفّ في حواري ذاكرتي مستحضرًا معه ملامح وجهها السَّمِح البريء. إنّها السّت كاترينا، الجارة التي يفصل بين بيتها وبيتنا بضعة أمتار. امرأة في منتصف الخمسينيات تعيش وحدَها بعد أن فارَق زوجها الحياة مُبكّرًا وقبل أن يمنحهما القدر فرصة إنجاب الأطفال. كانَت كلما تأتي على ذِكره أمام الوالدة ينهمر سيل الدّمع على خدّيها وتجهش في البكاء.
كانَت السّيدة كاترينا خياطة ماهرة. تَجلِس من الصباح الباكر وحتى المساء خلف ماكينة “السينجر”، بين أكوام القماش ومجلات الأزياء. لا زِلتُ أذكر كيفَ كُنتُ كطِفلة أستمتع بِتَصّفُح مجلّة “حوّاء” المصرية وَ”البوردا” الألمانيّة وَ”مود إي ترافو” الفرنسيّة. كانَت السّت كاترينا تَخيط فساتين النساء والبنات زاهية الألوان وآخر صرعات الموضة.
لم يكُن هُناك في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي مُجّمعات تِجاريّة كما اليوم. كما أنّ البضاعة في الأسواق كانَت قليلة كمّاً ونوعّاً على عكس اليَوم، الأمر الذي كانَ بِدوره يَزيد من قيمتِها من جهة، ويُوّفِّر علينا حيرة الاختيار، مِن جهةٍ أخرى. كانت “الخِياطة” مِن أهم المِهَن، للرّجال والنّساء على حَدٍّ سواء.

يَرتبِط اسم السّيدّة كاترينا بذاكرتي بِمريلتي المدرسيّة. فالزّي المدرسي للطلبة لم يكُن يُباع في المدارس في تلك الأيّام. كَما أنّه لم يكُن في مُتناول اليَد أو مَعروضاً في محلّات النّوفوتيه وحتّى “السوبرماركِت” على جانبي الطُرُقات العامة كما الآن. كانَ تَوفيره من مسؤولية أولياء الأمور مع اقتراب العام دِراسي الجديد بِداية شهر أيلول.
كانت عملية التّحضير للسنة الدّراسيّة الجديدة تَستغرق أسابيعاً لكّنّها مُمُتعة ومُشّوّقة. تَبدأ “الرّحلة” بِمُرافقتي لوالدتي لمعرض “التّكروري” للأقمشة في شارع صلاح الدّين الخاص بالزّي المَدرسي في بداية شهر آب. وبَعدَ أن ننتهي من هذه الخُطوة، نَحمل قطعة القُماش ذات اللّون الأزرق الدّاكن معنا ونأخذها للسِت كارترينا.
تَأخُذ السّت كاترينا مَقاساتي من أعلى الرّأس حتّى أخمص قَدميّ. ومن ثمّ، تَطلُب منّي أن أعود بعد أسبوع أو عشرة أيّام لبروفا أوّليّة لتتأكّد مِن أن المقاسات كانت دقيقة. وَبعدَ أسبوع آخر، يكون مَوعِد البروفا الثّانية لِوضع اللّمسات الأخيرة على “المريول”. أحياناً، كانَت تنصَح السّت كاترينا بِبروفا ثالثة من باب الاحتياط لإتمام أي تَعديلات نِهائية واجبة.
تَجهيز الزّي المَدرسي لم يَكُن إلّا واحِداً في سلسلة التّحضيرات للعام الجَديد.
مَن مِنّا يَنسى عَمليّة شِراء الكُتُب والدّفاتر المدرسيّة وتَجليدَها!
نُشِر في 11 أذار، مارس 2021


