الفِصح |

الفِصح

للفِصح في ذاكرتي مكانة خاصة تتجاوز الفَرحة بشِراء ثَوب العيد الجديد أو َتناول حُصّتي من الدّجاجة الشّهيّة التي كانَت تُعِدُّها الوالدة أوَ الحصول على “العيدية” من العمّات والأخوال. فلِمَراسم العيد في مدينة القُدس بهجة خاصة، حيثُ لا يُعتَبَر عيد الفِصح بالنّسبة للطوائف المسيحيّة في المدينة التي تتبع التّقويم الشّرقي مُناسبة دينيّة فَحَسب، وإتّما تَقليداً فولكلوريّاً أيضاً تَتوارَثه أجيالٌ تلوَ أجيال.

تبدأ مَراسم العيد في العادة مع حلول فصل الرّبيع، أحياناً في “آذار” وأحياناً ومرّات أخرى في “نيسان” أو بِداية “أيّار” وتَستمر أربعينَ يوماً. وتَكون هذه فترة صَوم لدى المسيحيين، يمتنعون خلالها عن تَناول الأطعمة التي مصدرها حيواني. يُتوّج الصّيام الأربعيني بعيد الفصح أو “أحد القيامة” كما يُطلَق عليه.

وخلال هذه الفترة أيضاً، يُواظِب مَن يَرغَب من أبناء الطوائِف المسيحيّة “الشّرقيّة” على حُضور القُدّاس الأسبوعي المسائي الذي يُقام تحتَ قُبّة كنيسة القيامة مساء “الجُمعة” وَستَمر على مدار حوالي ستّة أسابيع. ويُطلَق على القُدّاس اسم “المَديحة”، ويجري خلاله ترديد التّرانيم الدّينيّة. وتُسّمى “الجُمعة” الأخيرة التي تَسبِق “أحد الفِصح” بِالجُمعة العظيمة أو “جُمعة الآلام” وترمُز وفق المُعتقد الدّيني إلى صَلب المَسيح وموته ودفنه في كنيسة القِيامة. أمّا “الأحد” الأخير الذي يسبق “أحد الفِصح” فيُسّمى بِ”أحد الشّعانين”.

احتفالات أحد الشعانين في ساحة “القِيامة” عام 1914
تُعتبر مَسيرة “أحد الشعانين” التي تطوف شوارع وأزقّة وحواري البلدة القديمة في القدس وفي مُحيط سورِها بروتوكولاً مُتّبعاً منذ عُقود. ويُعتبر “السّبت” الأخير الذي يسبِق “أحد الفصح” بيَومٍ واحد خاتمة الصِّيام الأربعيني ويُسّمى “سَبت النّور”.

احتفالات “سبت النّور” داخل كنيسة القيامة في خمسينيّات القرن الماضي

في هذا اليوم، وإلى ما قبل فَرض سُلطات الاحتلال الإسرائيلي قيوداً على دُخول الفلسطينيين إلى القُدس في بداية الألفيّة الثّانيّة، كانَت حُشودٌ مِن أبناء الطّوائف المسيحيّة من مُدُنٍ وبَلدات فلسطينيّة مُختلفة، إضافةً إلى الحُجّاجٍ القادمين من الخارج يشدّون الرّحال إلى مَدينة القُدس. يتجمّع كُل هؤلاء تحتَ قُبّة “القيامة” وفي ساحَتِها الخارجيّة منذ ساعات الفَجر.

كعك يتوسطّه بيضة حمراء ينتشر في مخابز البلدة القَديمة في القُدس

فلهذا اليوم رمزيّته الدينيّة الخاصة عند المسيحيين، حيثُ يُعتقد بأنّ نوراً يشّع من قبر السّيّد المسيح الكائن في قلب “القِيامة” عند السّاعة الواحدة ظُهراً. ومَع “ظهور النّور”، يُضيء جميع المُتواجدين في كنيسة القيامة الشّموع التي بِأيديهم على إيقاع قرع أجراس الفرح في “القيامة” وكنائس القُدس الأخرى. من ثمّ تَخرُج الحُشود إلى الخارِج ويبدأ “العُرس” الاحتفالي في حواري وأزّقة “حارة النّصارى” داخل البلدة القديمة في القُدس برفقة الحركات الكَشفية وجمعٌ من بطاركة ومطارنة وكهنة وشّماسّو ومخاتير ووجهاء الطّوائف المسيحيّة المُختلفة في المدينة. ومِن هُناك يَتّم “ايصال النّور من كنيسة القيامة في قلب القُدس إلى مدينتَي بيت لحم جنوباً ورام اللّه شمالاً، وكذلك إلى بعض العواصم العربيّة.

مُسّنتان، قُبرصيّة ويونانيّة” تُضيئان الشّموع في احتفالات سبت النّور في العام 1936

لا تقتصر “زفّة” سبت النّور الكرنفاليّة على حُضور المسيحيين فحسب، وإنّما على مُشاركة شعبيّة أوسع، وغالباً ما كانت تتحوّل إلى شكل من أشكال التّظاهرات الاحتجاجيّة على استمرار احتلال الاسرائيلي للقُدس حيثُ يبدأ المُشاركون بترديد الأهازيج الشعبية والأغاني الوطنيّة.

احتفالات سبت النّور في باحة كنيسة القيامة

استمر زَخم طقوس الاحتفاء بعيد الفصح المجيد في القُدس إلى مُنتصف تسعينيّات القرن الماضي إلّا أنّه ومع بدء الحِصار التّدريجي الذي فرضته سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مدينة القُدس نهاية التّسعينيّات بدأت مظاهر إحياء هذه المُناسبة بالتّراجع بسبب القُيود التي حالَت دونَ دُخول الفلسطينيين إلى المدينة المُقدّسة. رُغم هذا وذاك يُحاول المقدسيّون جاهدين الاستمرار بالحِفاظ على تقاليد الفِصح كجُزء من تاريخ المدينة وأصالتها وَعروبتها.

 نُشِرَ في 1 نيسان 2021

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading