بينَ "ضِفتّين" |

بينَ “ضِفتّين”

إعلان للخطوط الجويّة اللّبنانيّة عن موعد رحلاتها الأسبوعيّة من بيروت إلى القُدس

لَم يكُن العالم في ذاكَ الزّمن “قَرية صَغيرة” وإنّما قارات “قُرويّة” نائيّة عن بعضِها البعض، لا تعرِف الواحِدة منها ما يَجري في الثّانيّة التي بِجوارِها. لَم تَكُن ثقافة الاستهلاك مِن سمة العصر ولم تَغزُ العولمة بعد نمط حياة النّاس التقليديّ البَسيط رُغم تعقيداته. كما أنّ شَغَف السّفر والتّرحال واستكشاف أماكن جديدة خارج حُدود الوطن لم يكُن الشّغل الشّاغل لأبنائه.

ففي البلاد تَضاريسَ كَوكَبٍ بأكمله. لا تَفتَقِر إلى الجِبال ولا السُّهول ولا البِحار ولا الأنهار. كما أن فصولها المناخيّة السّنويّة الأربعة واضحة كالشّمس، يُميّز كُلَّ واحِدٍ منها زهرَة أجمل من الأخرى. لا، بل على العَكس، فقد كانَ الآخرون يأتون إليها ولو كلّفهم هذا وذاك عناء قَطع آلاف الأميال. يَستمتِعون بالتّجوال في رُبوعها ويُغّذون أنظارهم بِجمال طبيعَتها الخلّاب ولو لبضعة أيّام. أمّاَ وإن حدثَ أن رغِبَ أحَدٌ يوماً أن يستريحَ من الوطَن ويبتَعِد عنه لفترة زمنيّة قَصيرة فإنّه يُدرِك تماماً في الوقتِ ذاته أنّ الخيارات أمامه محدودة وبأنّ الرّياح لا تهّب دائماً كما تشتهي سُفُن التمنيّات.

فيروز إلى القُدس وترنيمة “الأم الحزينة” استعداداً لزيارة البابا بولص السادس عام 1964   

 

البابا بولص السّادس في زيارة للقُدس عام 1964 هي الأولى للحبر الأعظم خارج روما

فالحال بعد “عام الرّعد”، عام النّكسة، ليسَ كما قبله، والسّفر بينَ بِلاد “الأشّقاء” باتَ مُعقدّاً. عدا عن هذا وذاك، فإنّ الأوضاع الاقتصاديّة لم تَكُن لِتَسمح بذلك. كما أنّ لائحة الأولويات الأكثر إلحاحاً طَويلة، ليسَ أوّلها تأمين مأكلٍ وملبس ومَسكَن وَآخرها توفير نفقات التّعليم والطّبابة فحسب، وإنّما أيضاً تشمل ادّخار قِرشَين لتغطية مصاريف رِحلة صيفيّة يتيمة للِقاء أحبّة نَكَبتهُم نَكسات وغرَّبتهم نَكبات وانتهى بهم المصير على “الضفّة الأخرى”. ضِفَة وإن بَدَت لا تَبعُد سوى بِضعة كيلومترات عن توأمِها إلّا أن الوُصول إليها صارَ درباً من دُروب الآلام الفلسطينيّة الكثيرة. 

لم يعُد لِقاء الأخ بأخيه سهلاً بعد أن شطرَ “عام الرّعد” الأرض إلى “ضِفّتَين”، واحدة “غَربيّة” يُطلَق عليها الأراضي الفلسطينيّة المُحتلّة وثانيّة “شرقيّة” وتُنسَب إلى المملكة الأردنيّة الهاشميّة. كانَت “الأولى” تحتَ وصاية “الثّانيّة” حتّى ذاكَ اليوم “الحُزيراني” المشؤوم من العام 1967. باتَ جسرٌ يفصِل بينَهُما اختار له “الأخوَين رحباني” اسم “جسر العودة”… بَقيَ الجِسر ولم تتحقّق العودة.  

على الرّغم من أنّ المسافات بَقِيَت تبدو قَصيرة في نظر صاحب الأرض القريب والزائر الغَريب على حدٍّ سواء إلّا أنّها كانَت تزداد بُعداً يوماً تلو يوم وعاماً تلو عام وعِقداً تلو عِقد. صارَ لِقاء الأحبّة من جَديد من الأماني كَي لا نقول أنّه من المُعجزات. يتطّلّب اجراءات تستنزف جُهداً ووقتاً كَبيرَين قبلَ عَقد العَزم وحَزم الأمتعة والتوجّه شَرقاً ومن ثمّ الانتظار ساعات تحتَ أشعّة شمس تمّوز الحارقة من أجل المرور من مَعبر صارَ يُطلَق عليه جسر الملك حسين “أردُنيّاً” وجسر اللنبي “اسرائيليّاً”.

جسر الملك حسين

رُغم ذلك، فقد كانَت أحاديث الفلسطينيين قبل السّفر إلى الضّفة الشّرقيّة وبعد العودة منها إلى “ضّفتهم” لا تتوقَف وتتحوّل بعد مُرور الزّمن إلى ذكرياتٍ وحكايا تُروى للأبناء والأحفاد بِما تَحمله من فرحٍ وَحُزن. تُثير غَضب المُستمع عندما يسردون أمامه ما تعرّضوا لهُ من إذلال تارَةً وتُضحِكهُ الطّرائف التي تخلّلتها الرّحلة تارَةً أخرى. أمّا عُنصرا التّشويق والإثارة فيها فيزدادان عندما يُحدّثك الكُهول عن تنكَات الزّيت والجبنة والزّيتون التي أعدّوها و”نتعوها” معهم على رؤوسهم إلى الضّفة الشرقية لأنّها “من ريحة الوطن”، أو عندما يتباهون بانتصاراتٍ حقّقوها على الإسرائيليين الذين لم ينجحوا إلّا بمُصادرة نِصفها بعد أن “دلقوا” نِصفها الآخر على الأرض أمام أعينهم، أو عندما يستحضرون ذكرياتهم أثناء عودتهم إلى الأرض المُحتلّة بعد أن “قشّطّتهُم” مُجنّدة عشرينيّة شقراء اسرائيليّة أصفاط الحلو التي حملوها معهم كهدايا لعوائلهم وأصدقائهم وجيرانهم وذلك خشية أن يكونوا قد حشوا بينها مُتفجّرات.

 العاهل الأردني الرّاحل الحُسَين بن طلال يُشعِل سيجارة لرئيس الوزراء الأسبق الرّاحل اسحق رابين بعد التّوقيع على مُعاهدة وادي عربة في العام 1994

بالنّسبة للمقدسيين والذين أصبحوا بعد العام 1967 كسائر أبناء الضّفة الغربيّة يَحملون جوازات سفر أردنيّة “مؤقتة” يجري تجديدها مرّة كُل عامَين، فكانَ يتوجّب عليهم عند الرّغبة بالسّفر إلى الأردن استصدار وثيقة سفر اسرائيليّة تُسّمى “لاسيباسيه” من مكتَب “الدّاخليّة” الاسرائيلي الكائن في شارع نابلس في القُدس. يَقوم أحد المُوّظّفين الذي يعمل لدى مكتب “الدّاخليّة” بتعبئة الطّلب له على آلته الكاتبة خارج المبنى مُقابل بضعة قُروش، ومن ثمّ يُسّلم المُتقدِم الطّلب بنفسه داخل المبنى. 

الطَريق إلى معبر الملك حسين عبر أريحا (جسر اللنبي) والمُخصّص لحملة هويّة القُدس 

تكون المُراجعة بعد أسبوعَين في أحسن الأحوال. موعِدٌ تَقديري دون الإشارة إلى تاريخ أو ساعة مُحدّدَين، أي أنّ ذلك لا يعني بالضّرورة أنّ “اللاسيباسيه” ستكون في جيب صاحبِها بعدَ مُرور تلك الفترة. فقد يُطلَب من المُتقدّم وبالأخص إن كانَ شاباً في مُقتبل العُمر العودة مرّة تلو أخرى بذرائع مُختلفة كالادّعاء مثلاً أن الأوراق المطلوبة غير مُكتملة، أو بأنّ الصّورة الشّخصية المُرفقة على الطلب لا تنطبق وَملامحه في الواقع، أو لأنّه تبيّن أن سجّله “الأمني” ليسَ “نَظيفاً” ويتطلّب المَزيد من الفَحص. 

لم يكُن الاستعداد للسفر من الضّفة الغربيّة إلى الضّفة الشرقيّة يقتصر على الأخذ بالاعتبار مُتطلبّات عُبور “جسر العودة” من الناحيّة الاسرائيليّة فحسب، فالمرور من الجانِب الأردني بِسلام لهُ شروطُه أيضاً وَعليكَ أن تُدرِك بأنّ أي قطعة ملابس في حقيبتك تحمل لُصاقة (ماركة بيانيّة) مكتوب عليها حَرفٌ واحِدٌ بالعبريّة كافيّة لأن تُعيدك من حيث أتيت. 

كانَت هذه المُهمّة في العادة مِن مسؤوليّة الوالدة في كُل صَيف قرّرنا فيه التّوجه إلى الضّفة الشّرقيّة لزيارة شقيقتها الكُبرى والتي انتهى بها المَصير في الأردُن عام 1967. أجلِس بقُربها على السّرير وأراقِب ماذا تَفعَل وأعرض عليها مُساعدتي. تَسهر اللّيالي وهِيَ “تُفّلّي” ثيابَنا، أنا وأبي وهِيَ، قبلَ أن تضعها في الحَقيبة. تُتمتِم في عُبّها وتدعو ربّها أن يُيسّر أمامنا الطّريق. تتساءَل همساً إن كانَ الوصول سيستغرِق دَهراً أم لا! تَختلط مشاعر الشّوق لديها بالخشيّة من عدم النّجاح بالوصول لسببٍ أقّل من تافه. وعندما يتّحقّق الحُلم تتغلّب فَرحتها بلَم شَمل تُدرِك أنّه مُؤقتّاً.

يَمّر الشّهرٌ هُناك في بَيت الخالة المُتواضِع بلمح البصر نَعود بَعدِه إلى “ضّفتنا” من جديد عبر دَرب الآلام ذاته. نَحمِل معنا أجمل الذّكريات وأطرف الحكايات. تَنفُضَ أمّي، يَوميّاً، غُبار “مشوار العُمر” عن طقم فناجين القهوة الصّيني الذي كانَت قد اشترته من الأردُن وغلّفتهُ بطبقات من ورقات جَريدة قَديمة ووضعته بِحرصٍ شَديدٍ في حقيبتها وأتت به من “الضّفة الأخرى” وصَمَدته ديكوراً في الخَزانة ولم تستخدمه إلّا في مُناسباتٍ خاصَة. 

نُشِر في 22 نيسان 2021 

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة