سَركيس |

سَركيس

حلّت نهاية الأسبوع، ووفق تقاليد سيّدات الطّبقة الوُسطى التي كانَت تنتمي إليها غالبيّة عائلات القُدس فقد حانَ موعِد الذّهاب إلى صالون الشَّعر. كانَت الوالدة وهِيَ موظّفة “وُسطويّة” أيضاً قد خصّصت هِيَ الأخرى عَصر “السّبت” للذهاب عند سركيس الحلّاق. 

سَركيس من أقدم مُصّففي الشّعر وأشهرهم في فلسطين. دَرَس المهنة في فرنسا وإيطاليا في سِتّينيّات القرن الماضي ولذلك، كانَ صالونه الكائن في وسط القُدس يحمل اسم “باري/ روم” نسبةً إلى عاصمتيهما.  بروتوكول أسبوعي يَسبِق حضور القُدّاس الأرثوذكسي صباح اليوم التّالي، أي صباح “الأحد” في كنيسة “مار يعقوب” المُجاورة لقُبّة القِيامة ينتهي بِلمّة عائليّة أسبوعيّة حول مائدة الغداء. 

لم تكُن الأحياء السّكنيّة الهادئة المُحيطة بمدينة القُدس ومنها حَي بيت حنينا الذي كُنّا نَسكُنُه قد بدأت تتحوّل إلى مراكز لمُمارسة أنشطة تِجاريّة متنوعة تُشّوّش على سُكونها وتنال من هويّتها “المَساكِنيّة”. ولم يكُنَ عَبِد الحلّاق، قد افتتح صالونه المُتواضِع في الحَي بَعد. كانَت القُدس، بشارِعَيّها الرئيسيَّين، صلاح الدّين والزّهراء وبَلدتِها القَديمة لا تزال “مَربَط خَيل”  كُل الفلسطينيين وعاصمتهم الاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافيّة والاجتماعيّة.  

 

طَروب في صالون سَركيس عام 1965، عن موقع APO Documentaries

 

كانَ سَركيس “كوافيراً” مُحترِفاً. وصلت شُهرتُه إلى بُلدانٍ عربيّة عِدّة. وكانَت فنّانات ممّن زُرنّ القُدس قبل احتلالها عام 1967، أي “عام الرّعد” قد عرّجنّ على الصّالون كَي يُصّفف لهنّ سَركيس شعرهنَّ. ومن بينهنّ المُطربة اللّبنانيّة الأرمنيّة طروب التي حلّت ضيفةً على الصالون عام 1965، وأصبحَ يربُطها بِسركيس علاقة صداقة وطيدة أهدتهُ على أثرها كما تردّد وقتها أغنيّتها الشّهيرة “يا حلّاق إعملّي غُرّة”، تلك الأُغنيّة التي راجَ سماعها عبر موجات أثير إذاعات عربيّة كثيرة في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي.

هذه لم تكُن إلّا واحدة من قِصصٍ كَثيرة كانت “نَساوين” القُدس تتبادلها ارتباطاً بصورة لطروب علّقّها سَركيس على طرف إحدى المَرايا في الصّالون. أمّا أنا، فقَد كُنتُ أنصُت إلى تلك الثّرثرات بِأذنَين صاغيِتَين وعينين مُبَحلِقَتَين، ليتحوّل المَشهَد في ذاكرَتي بعد خمسينَ عاماً إلى مُذكّرات طَريفة أدّونها وأنقلها اليَوم حَكايا على مُدّونتي، “صُور رعد ورد”.

لَم يَكُن الذّهاب إلى صالونات الشّعر في تلك المرحلة يَحتاج إلى مَوعِد مُسبق يَجري تحديده من خلال الاتّصال هاتفيّاً. فالحُصول على خط تلفون أرضي بعد الاحتلال الإسرائيلي للضّفة الغربية عام 1967 لم يكُن بالأمر السّهل ويتَطَلَّب جُهداً ووقتاً كَبيرَين، وَأحياناً، إلى “واسطة” من العيار الثّقيل. هذا عدا عن أن تكاليف تَركيب خَط هاتفي وما يَتبَع ذلك من فواتير يَضيف عبئاً ماليّاً ليس بمقدور الجميع تحمّله. 

لم يمتلك “رفاهيّة” امتلاك خَط هاتفي إلّا عائلاتٌ قليلة في القُدس كانَ يُطلَق عليها، وفق المفاهيم “الطّبقيّة الشائِعة” في حينه، بِ”العائلات الكُبار”. والعائلات “الكُبار” في العادة، عدا عن كونها تتمتّع بِهذا “الامتياز”، فَهِيَ تَمتلِك أيضاً غَسّالة نِصف أو “فُل أتوماتيك” وتلفزيون أسوَد وأبيض وسيّارة بأربعة دواليب، إضافةً إلى إبن يدرُس الطّب في الخارج. 

وكانَ هذا الإبن في العادة يُلقّب بالدّكتور أو الحكيم منذُ اليوم الاوّل لالتحاقه بالجامعة. وعندما كانَ “الدّكتور” أو الحَكيم” يأتي في زيارة للبلَد بعد عام أو عامَين لقضاء إجازته الصّيفيّة مع أسرَتِه، يَهّب عليه مَخاتير وَختايرة الحارة من كل حَدبٍ وصَوب ودون “إحِم ولا دستور” لتهنئته بِعودته سالماً إلى أرض الوطن من بلاد “الأنكل سام”… يَحمِل كُل واحدٍ منهم أوجاعَه وآلامه ومشاكله الصّحيّة معه على أمل أن يُقدّم لهُم “الدّكتور” المُبتدىء الذي لا يزال أمَامه ست أو سبع سنوات أخرى لِيتّخصّص ويتخرّج حُلولاً سحريّة فَوريّة تُنهي مُعاناتهم. 

 

ستوديو فارروج، البلدة القديمة/ القُدس

 

في القُدس، كما في بلاد الشّام عموماً يُتقن الأرمن الذي ينتمي إليهم سَركيس الحلّاق ثلاث مِهَن بِشكلٍ خاص، فَن الخزف والرّسم على السيراميك، التصوير الفوتوغرافي، وَتَصفيف الشّعر. وإن بحثتُم عمّن قدّم لفيروز مزهرية عندما “مرّت في شوارع القُدس العتيقة” قد تجدونَ رُبّما أنّه أرمني، وَإن شاهدتم يوماً وأنتم تسيرون في شوارع القُدس لافتة كُتب عليها “ستوديو تصوير”، فثِقوا أن اسم صاحبه سَيكون هاجوب أو جارو أو فاروج وثَلاثَتُها أسماء أرمنيّة شائِعة.

غالِباً ما يتوارث الأرمَن في القُدس وغيرها هذه المِهَن الثّلاث أبّاً عن جد. ويحتفِظ الكَثير من المُصّورين منهم إلى اليوم بأرشيفٍ غَني وقيَّم يوّثّق حياة الفلسطينيين في البِلاد مُنذُ بداية القرن الماضي، إن لم يكُن من قبله أيضاً.

 

 عائلة بِليان الأرمنيّة وفن السيراميك في خمسينيّات القرن الماضي
بعض الرّفوف في معرض سندروني للسيراميك في باب الجديد في البلدة القديمة في القُدس/ بعدستي عام 2017

 

تُغرِب شمس “السّبت” وتُشرِق فجر “الأحد” ليَحينَ مَوعِد الذِّهاب لحُضور قُدّاس العاشرة صباحاً في كنيسة “مار يعقوب” في حارة النّصارى في البلدة القَديمة. لا يقتصِر هذا الطّقس الأسبوعي بالنّسبة للمقدسيين على بُعدِه الّديني فحسب، وإنّما كانَ يُعتَبَر نشاطاً إجتماعيّاً أيضاً، حيثُ يَلتقون مِن بَعدِه في ساحة “القيامة” الخارجيّة أو في غُرفة الجُلوس المتواضعة المُجاورة لها يَحتسون القهوة سويّةً ويتبادلون اطراف الحَديث فيما بينَهم.

 الدّرج المؤدي إلى كنيسة القِيامة من جهة حارة النّصارى في البلدة القديمة في القُدس/ صَيف 2015

أمّا بالنّسبة لي كطفلة لم تتجاوَز السّابعة فلم يكُن الصّمود حتّى آخر القُدّاس والذي لا تقّل مُدّته عن تِسعين دقيقة بالأمر السّهل، كما أنّهُ لم يكُن مُمتعاً بالنّسبة لي كثرثرات “النَساوين” في صالون سَركيس. لم أفهَم ما الذي كانَ يعِظُنا به “الأبونا”، ولماذا كانَ صوتُه يعلو تارةً وينخفِض تارةً أخرى وماذا كانَ المَغزى من طلبِه منّا الوُقوف مرّة والجُلوس ثانيّةً! 

أبدأ بالتّملمُل ولا أجِد حلّاً أمامي سوى البدء بالنّق على أمّي وتوّسلها المُغادرة فوراً بادّعاء شعوري بالعطش أو التّعب أو حاجَتي للذِهاب إلى دورة المياه. كانَت الخِطّة غالباً تَنجح لكّن، مع مُرور الوَقت وتِكرارها اكتشفت الوالِدة حيلَتي ولم تعُد تُعير تذّمرّي إهتماماً. كانَ عَلي شئت أم أبيت أن أسايِرَها وأصبر حتّى النّهاية دون التجرؤ على النّطق بحرفٍ واحد.    

 

 

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading