سينما |

سينما

ليسَ أوّلّها “أبي فَوقَ الشّجرة” وَ”المَصير” وَ”حدّوتة مصرية” وَ”أجمل أيّام حياتي” و”إمبراطورية ميم” وَ”الرّسالة” وَ”أريدُ حلّاً” وَ”إسكندريّة ليه” وَلا آخرها “أفواه وأرانب” و”عودة الإبن الضّال” وَ “شَفيقة ومِتوّلي” وَ”الأفوكادو” وَ”نَغَم في حياتي” و”أيّام اللولو” هِيَ تلك الأفلام فقط التي هَرولنا نحنُ أبناء جيل النّكسة أو جيل “الرّعد” لنُشاهدَها في دور السّينما المُنتشرة في المُدن الفلسطينيّة في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي. فغَيرها الكَثير من الأفلام المصريّة، وغير المصريّة تِلكَ التي جعلتنا ننتظر في الطّوابير أمام شبابيك التّذاكِر خشيةَ أن يَفوتَنا مُشاهدُتها.   

 

يِالرّغم مِن تَقدُّمِها بالسّن إلّا أنّ أم خليل كانَت تُحِب السّينما أيضاً وَكانَت تُرافِقُنا أحياناً، أنا وَوالدتي وابنتيها، لحُضور بعض الأفلام في إحدى دور السّينما في القُدس. صَحيح أنّ أم خليل كانَت حجّة ولا تقطع فرضاً إلّا أنّها كانَت أيضاً تنظُر إلى الدّين والحياة على أنّهما توأمان لا يفترقان طالما بَقِيَت الأخلاق بوصلة الإنسان. لا تنتقِص “الثّانيَة” مِن “الأوّل” طالَما لم يُقدِم المؤمِن على فعلٍ يتسبب بأذيّة غَيرِه. تَضعُ منديلَاً زاهي الألوان على رأسها وتكون جاهزة بكامل أناقتها في الوقت المُحدّد للذهاب إلى السينما.

رُغم ذلك، فقَد كانَ وَجه أم خليل يَزداد احمراراً وَهِيَ تُشاهِد حسين فهمي يَطبع قُبلةً ساخنةً على شَفَتي سُعاد حُسني في “خلّي بالَك من زوزو”، ذاكَ الفيلم الذي استّمر عرضه شهوراً في السّبعينيّات. تُغمِض عينيها فوراً إلى حين انتهاء المَشهَد. 

فَمِن باب التّذكير، لَم يَحدُث أن رأت أم خليل وجه المَرحوم “أبو خَليل” إلّا يومَ زفافِهما. كانَت هِيَ في الرّابعة عشرة وهُوَ على أبواب عشرينيّاته. وَبَعدَ أَقل من عامَين كانَت تَحمِلُ بينَ ذِراعَيها طفلَها الثّاني بينما الأوّل يمسِك بطرف ثوبِها وَيَزحَف خَلفَها على أرض المَطبخ.

كانَت السّينما تُعتبر من وسائل التّرفيه الهامّة بالنّسبة للفلسطينيين سواء قبلَ نكبة عام 1948 ونّكسة عام 1967 أو مِن بَعدِهما. وبالنسبة لكثيرين، فقد كان الذّهاب الى السينما تقليداً عائليّاً أسبوعيّاً. يُتابعون أخبار الفَن والمسرح والثّقافة وَمواعيد عَرض الأفلام في الصالات من خلال الصّحُف الورقيّة اليوميّة التي كانَت تُخصّص إحدى أبوابِها لذلك. 

فَفي القُدس وحدَها كانَ هُناك ثلاث دور سينما، “القُدس” و”الحمرا” و”النّزهة”. كانَ التّصميم الهندسي لصالات العرض من الدّاخل مُختلِفاً عَن اليَوم بحيثُ تنقَسم الصّالة إلى ثلاثة أقسام، قاعة في الطّابق الأرضي، “لوج” وَ”بوكس” في الطّابق الثّاني. القاعة كانَت الأكبر من حيثُ المساحة والقُدرة الاستيعابيّة. كما أنّها كانَت الأكثر “شعبيّة” و”شعبويّة” إن صحّ التّعبير لناحية روّادها. فقد كانوا في غالبيتهم من الشّباب “العِزّابيّة” والمُراهقين. كانَ ثمن بِطاقة الدّخول إلى القاعة هُوَ الأقل. 

أمّا اللّوج،  فأصغر ويَزيد ثمن تذكرته ببضعة “قُروش” عن القاعة. كانَ يُطّل على القاعة من أعلى وَمُخصّصاً في العادة للعائلات ومَن هُم من فئات عُمريّة أكثر نُضوجاً عن جُمهور القاعة. يتقدّم اللّوج على امتداد الصّفّين الأوليّين “البوكسات” نسبةً إلى مُصطلح “box” بالإنكليزيّة، أي العُلبة. و”والبوكس” عبارة عن شُرفة صغيرة كتلك التي في قاعات “الأوبرا” وتتّسع في العادة لأربعة أشخاص، أي لأفراد أسرة واحدة بالمُعدل أو مجموعة صغيرة من الأصدقاء. أمّا ثمن تذكرتها فيزيد عن ثمن تَذكرَتَيّ القاعة واللّوج قليلاً.

سينما الحمرا في القُدس في خمسينيّات القرن الماضي

كانَت الأفلام في دور السينما تُعرَض على فترَتَين، واحدة صباحية وثانيّة مسائيّة. وفي كُل واحدة منهما يتّم عَرض فيلمَين اثنَين يستّمران على مدار حوالي أربع ساعات ويتخلّلهُما استراحة أو اثنَتَان. كانَت الأفلام المصريّة تحظى بشعبيّة كبيرة بينما كانَ الشّباب يميلون إلى مُشاهدة الأفلام الهنديّة التي تَنتهي بزواج البَطَل مِن حَبيبته بعدَ قصّة حُب حافِلة بالمشّقّات والعذابات. ذلِكَ طبعاً قبل أن تغزو أفلام الكاراتيه والكونغفو الشاشة الذّهبيّة. 

 

سينما القُدس في شارع الزهرا

بقيَت دور السّينما في فلسطين مفتوحةً حتّى نهاية ثمانينيّات القرن الماضي إلّا أنّها أغلقَت أبوابَها مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى نهاية العام 1987. فقد كانَت توجيهات القيادة الوطنيّة الموّحدة تقضي بإلغاء كافة الأنشطة ذات البُعد التّرفيهي أو تلك التي فيها أي مظاهر فرح كالأعياد والمُناسبات وحفلات الزّفاف. كانَ قد مضى وقتها على رَحيل أم خليل عَقدًا من الزّمن تارِكةً ذِكرى ابتسامة تُخفي خَلفَها حَسرةَ انتكاساتٍ مَضت ودُموعَ قهقهاتٍ ملأت صالة السّينما وهيَ تُشاهِد ضحكة اسماعيل ياسين في فيلم “اسماعيل ياسين في الجيش”. كانَ الفرح والحُزن مُجتَمِعَين في روح أم خليل الطّاهرة.

تمّ النّشر في 6 مايو/ أيّار 2021

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة