"الوِرثة" |

“الوِرثة”

 

لم يتمكّن أبو ميشيل من أن يعيشَ طَويلاً بعدَ رَحيل أم ميشيل. فقد كانَ كُل صباح يتفقّد “النّملية” الزّرقاء التي كانت تَحفظ له داخلها صحنَيّ الزّيت والزّعتر ومرطبان مُربّى المشِمش وقِطعة الخُبز كَي يتناوَل فُطوره قبلَ أن يُغادِر البَيتَ إلى مَقهاه الكائن في باب الخَليل في البلدة القديمة في القُدس، “قهوة المُختار”. تَنهمر دموعُه بغزارة على خدّيه ويبدأ بالتّرّحم عليها همساً. صمَدَ أبو ميشيل تِسعين عاماً وظلّ إلى آخر أيّامه مُحتفظاً بذاكرة غنيّة، مُلّمّاً بأدق تفاصيل حياته، يُحدّثكَ عنها وكأنّها حدَثَت بالأمس القَريب. 

خِلال السّنوات الأخيرة التي سبقت وفاته بدأت أوضاع “أبو ميشيل” الصّحيّة تتراجع شيئاً فشيئاً ممّا دفع بِأبنائِه وبناته ممن بقوا في القُدس ولم يتفرّقوا في مهاجِر ومنافي الأرض الواسعة الإصرار على استضافته بالتّناوب في بيوتهم، الأمر الذي كانَ أبو ميشيل يرفضُه بشدّة في البِداية. لكّن ضعف نظره في النّهاية تغلّبَ على عناده وجعله يتقبل العَرض ولو على مَضَض. كان وجودنا نحنُ الأحفاد من حوله يبعَث الحياة في روحه من جديد. كُلّما رآنا عادَت الابتسامة إلى وجهه. كُنّا بالنسبة لهُ بمثابة جُرعة إنعاش ضروريّة لإطالة عُمره ولو لبضعة ساعات. على الرّغم من ذلك، إلّا أنّ أبو ميشيل كانَ يشعُر باستمرار أنّهُ باتَ عبئاً ثَقيلاً على الآخرين وقرّرَ بعد سنوات قليلة أن يلحَقَ بأم ميشيل. َ 

 

 

 نَمليّة،
صورة توضيحيّة

لَم يملُك أبو ميشيل بعدَ رَحيله الكَثير ليورّثه لأبنائِه وبناته العشرة. فبالكاد تمكّن مِن أَن “ينفِدَ بريشه” وينجو بعائلته من المَوت في العام 1948، عام النكبة التي يُصادِف ذكراها الثالثة والسّبعين في مثل هذه الأيّام. كُل ما أوصى بِه قبل وفاته أن يتقاسَم أبناؤه وبناته قِطع الأثاث التي كانَ يقتنيها في بيته في القُدس في ما بينهم قِسمة حَق. 

كانَت حُصّة الوالدة منها طَقِم من قِطعَتَين، خزانة ذات أدراج ومِرآة تُعتبران معاً اليوم تُحفة أثرية، “أنتيكا” لا تُقدّر قيمتها بثمن. لا أعرِف عنهُما الكَثير لكّن مِن المُستبعد طبعاً أن يكون المُختار قد “نَتَعهما” على ظهره وأتى بهما مَشياً على الأقدام من حي القطمون في القُدس “الغَربيّة” إلى بيته “الجَديد” في القُدس “الشّرقيّة”، ذلك الشّطر من المَدينة الذي كانَ تحت الوصاية الأردنيّة وقتها إلى العام 1967، عام الرّعد. فهاتَين القطعتين تزنان “أطناناً” وليستا مُجرّد “بُقجة” ملابس وطناجر وبطّانيّات يُمكِن رزمها خلال دقائق والفرار بها إلى بر الأمان.

 

 

 

 بدورها، حافظت الوالدة على حُصّتها من ورثة والدِها على مر السّنين. فقد كانت تلك القطعتان تحتّلّان مكانة خاصة في قلبها. كُلّما اقتربتَ لِتَنفُض الغُبار عنهما في الصّباح كرّرت على مسامعي العبارة ذاتها مرّة تلوَ الأخرى، “هَدول يا رَنا من ريحة جدّك المُختار، حافظي عليهم بعد ما أموت”. ظلّت الوالدة على عادَتِها هذه حتّى وفاتِها منذُ أكثَر من رُبع قرن. كانَ عليّ ألّا أخذلها وأن أحافِظَ على العَهد وأصونهما.

لا اخفي سرّاً إن قُلت أنّني كُنتُ أفضّل لو أنّ الوالدة ورثّتني بضعة “قُروش” بدلاً مِن قِطعَتَي “أنتيكا” أكلَ الدّهر عليهما وشَرِب حتّى شَبِع، وبأنّ فكرة بيعهما قد راوَدتني مع كُل انتقال إلى بَيت جديد خشية أن أتحمّل ما تبّقّى من عُمري شُعوراً بالذّنب وتأنيب الضّمير بسبب تصّدعهما أو تفتّت خشبهما إلّا أنّني في كُل مرّة كُنتُ أتراجع أمام صورة الوالدة المُعلّقة أمامي على الحائِط.

رافَقَتني القِطعَتَان في كُل محطّات حياتي. كَما اصبحَت فِكرة جَمع كُل ما هو قَديم تَستهويني. التزمت بوَعدي. وكُلّما انتبهت أن خَدشاً ما قد أصابهما مهما كانَ بسيطاً سارَعت إلى تَرميمهما مع باقي قِطع الأثاث الأخرى التي وَرثتُها بدوري من بيت والدَيّ ومن بينها طقم كَراسي يعود تاريخه إلى نِصف قَرن مضى، أكسيتُهُ الأصفَر وَيروي حِكاية أخرى.

 


 

فلطالَما كانَت الوالدة كُلّما زارَنا ضُيوفٌ تُشير إلى ذاكَ الطّقم بإصبعها وتُحَدّثهم عن جَودة ودّقة وإتقان تصميمه ومتانتِه. لا تتوقَف عن كيل المَديح لِمنجرة مدرسة دار الأيتام الإسلامية الصّناعيّة، وهِيَ مؤسّسة مقدسيّة عريقة بادَرَ إلى إنشائِها وُجهاء فلسطين عام 1922 على أثر الأوضاع المأساويّة التي خلّفتها الحرب العالمية الأولى في المنطقة عام 1914 وأصبحت مأوىً لكثير من الأطفال الأيتام الذينَ فقدوا والِدَيهم ولم يعُد هُناك مَن يُعيلُهُم. وقد تمّ تخصيص “تكيّة خاصكي سُلطان” بالقرب من المسجد الأقصى لتكون مقّراً لها. لا تزال “مدرسة دار الأيتام الإسلامية الصّناعية” قائِمة إلى يومِنا هذا ولا تزال الكَراسي شاهِدة على صّحة أقوال الوالدة. 

انتقَلَ المُختار إلى جوار ربّه قبلَ أن يُحقّق حُلمَه بالعودة إلى حَي القطمون. وإن كانَ أبو ميشيل قد رَحَلَ دونَ أن يوّرثنا مِفتاحَاً حَديديّاً كبيراً لبيته الذي هُجّرَ عنه قسراً في ذاكَ العام، إلّا أنّه تركَ لنا نحنُ أحفاده من بعده ذِكريات طيّبة تَحمِل كُل واحدة منها مِفتاحَ لملمة شظايا “رواية” تَكاد تكون في طَي النّسيان.

نُشِرَ في 13 مايو/ أيّار 2021  

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading