أرهَقَ المَوت “إم ميشيل” فقرّرت أن تتسلّلَ منه وتَهربَ إلى الحياة. أرادَت أن ترى بأمّ عينيها ما جرى طيلة فترة غيابها. خمسون عاماً مضوا على رَحيلها تبدّلَت فيها أزمانٌ وأحوال. نِصف قرن ولّى منذُ أن ظهرت صورتُها في الصّحيفة للمرّة الأولى والأخيرة تحتَ خانة الوَفيّات. كانَ قد وصَلَ إلى مسامعِها في قَبرِها أنَّ الأوضاع في “قُدسِها” قد انقلبت رأساً على عقب، لَكّنها لم تستوعِب حجم الزّلزال.
أطلّت برأسِها من بعيد. راحَت تبحث عن الجريدة التي نَعاها فيها أبو ميشيل لتتأكد بنفسِها أنّهُ قامَ بالواجِب على أحسَن وجه وبما يليق بِمكانتها في قلبه. لم تَجِد أم ميشيل الصّحيفة. حِزَنت وانهمرت دموعُها من عينيّها اللّتَين أنهكهُما تعب المَوت والحَياة على حَدٍّ سواء. لَعَنَت “التكنولوجيا”. فقد حَرمتها رؤية “أبو ميشيل” عائِداً ظُهراً مِن مقهاه ليضع الجريدة بينَ يديها.
أحد البيوت التي صادرها المُستوطنون في البلدة القَديمة في القُدس
لَم يُهمِل أبو ميشيل يوماً “تَفليّة” الجريدة من الجِلدة إلى الجِلدة. لم ينسَ أن يُعرّجَ على أبواب الأبراج والوفيّات والكلمات المُتقاطعة وأحوال الطّقس وما يجري على صعيد السّياسة والإقتصاد والفَن والثقافة والفلك في العالَم. وكانَ بعدَ أن ينتهي من قراءَتِها يُسّلّمها لإم ميشيل فتُخزّنها هيَ بدورها في “غُرفة المونة” إلى جانِب شوال الأرز والسّكّر والطّحين. فاستخداماتُها كثيرة ولا تَقتصِرُ على فَرشِها فوق الرّفوف في “النّمليّات” في المطبخ حيثُ الزّيت والزّعتر ومُرّبى المشمش وكؤوس الماء وصُحون الأكل. فأحياناً، كانَت أم ميشيل تكمِش على الصّحيفة بكَفيّها وتبدأ بتلميع زُجاج نوافذ البَلكون بها. وعندما كانَ لدى أم ميشيل فائِضاً منها كانَت تتكرّم بها على بائع الـتُّرمُس المُتجوّل في حارة النّصارى في البلدة القَديمة لِيصنَع منها مَخروطات ورقية ويبيعَ فيها تُرمسه، أو تُعطي بعضاً منها لأولاد الحَارة ليصنعوا منها طائرات ورقيّة يُطلقونها في سماء القُدس في العُطَل الصّيفيّة المدرسيّة.
عَضَّت أم ميشيل على أصابعها نَدماً لِأنّها عادَت. فالحياة يعني أن تَحّس بِما يَدور من حولِك، أن تَراه بعينِك و”الشّوف ليسَ كما السّمع” كما يُقال. لم تُصدّق هَولَ الصّدمة. تمنّت لو أنّها لم تُغادِر العالَم الآخر وبقيت هُناك تحت التّراب دونَ أن تعلَم بما جرى. فالمَجهول يكون أحياناً أرحَم مِن المَعلوم. أحسّت بإغتراب شَديد عن المكان الذي ألِفَته والزّمان الذي عاشَته وعَقدَت العزم على الرّجوع إلى حيث أتَت وحيثُ أبوميشيل ينتظرها هُناك بِقلق. فقد أصبحَ الموتُ بالنسبة لها رَديف الحياة. لا فرقَ بينَ هذا وذاك. أمّا هُناك في ذاك العالم الآخر فعلى الأقَل ستبقى بالقُرب من أبو ميشيل يسترجعان معاً أجمل ذِكريات العُمر. ذهبت، اختفَت أم ميشيل عن الأنظار من جَديد لكّنَ ذاكَ الصّوت الآتي مِن بَعيد أبى أن يُفارِقَها، “لا تحزَني يا جدّتي، إمسَحِ دُموعك عن خدّيكِ فالرّبيع قادِم وسنملأ المكان بالورود والأزهار من جديد ولا تنسِ أن تُخبري الجد أبو ميشيل بذلك.”
نُشِرَ في 20 أيّار 2021


