حوار مُتخيّل |

حوار مُتخيّل

ترّبّعَ أبو ميشيل كعادَتِه بالقُرب مِن كانونِه لكّنّه كانَ وحيداً هذه المرّة. لم يَجلِس أحفادُه حَوله. كانَ كُلٌّ منهم يجلس في زاوية من زوايا البيت، بعيداً عن الآخر، مُنشغِلّاً بالحاسوب الذي أمامه أوَ “الأيفون” الذي بيده. لم تأتِ إم ميشيل كعادتها بالزّيت والزّعتر على الطبليّة. ولم تُعّد أرطالاً من مُرّبى المِشمش الشّتوي كما كانت تفعل عاماً تلو العام. فلَقد قرّرت أن تَرحَل بعيداً وتترك أبو ميشيل لِيَخوضَ تَجربة الحياة وحده من بعدها. مَضَت عُقودٌ على انتقالِها إلى جِوار ربّها. عُقودٌ حافلةٌ بالأحداث كانَ آخرها فيروس “كورونا” الذي اجتاحَ كوكَبَ الأرض. بَدأ أبو ميشيل بالسُّعال. طلَبَ كأس ماءٍ مِن أَحدِ أحفادِه الحاضرين الغائبين، لَكّنّ أحداً مِنهُم لم يلتفِت إلى طَلَبِه. 

صَرَخَ فجأة: “أكاد أفقد عقلي، إرحموني”. 

فَزَّ الأحفاد مِن مقاعدهم. انتبهوا لوجوده. 

“ماذا بِك يا جِدّو؟” 

أبو ميشيل: “رؤيتكُم هكذا تكاد تتسبب لي بالجُنون”. 

الأحفاد: “لماذا يا جدّو”! 

أبو ميشيل: “أكاد لا أُصّدّق ما شاهدتُه على مدار تِسعين عاماً”!

الأحفاد: “لِماذا يا جدّو! حَدّثنا، ماذا رأيت؟”

أبو ميشيل: “عندما تبدأون بالإلحاح لا تتوقّفون ولا تَيأسون”. 

“حسناً، إليكم ما أستطيع أن أتذكره ممّا رأته العُيون”. 

“شاهدتُ الضّيعةَ وقد وصلتها الكهرباء بعد أن كانت غارقة في الظلام على مدار “قُرون”، وأوّل سّيارة دخلت البلدة بعد أن كُنّا نتنقل على ظهور الحمير والجمال والخيول، وَتَحليق أوّل طائرة في السّماء لوّحتُ لها بيدي اعتقاداً منّي بِأنّ مَن فيها سَيردّون، وَإطلاق صاروخ بعد أن ظننت أن العالَم ينتهي عند شجرة الزّيتون، وَهُبوط مركبة فضائيّة على القمر بعد أن كُنتُ قد جَزَمت أنّ أحداً لن يصلَه كائناً مَن يكون، واختراع التّلفون الذي قَلّبت سماعته للمرّة المليون، والغَسّالةَ الأوتوماتيك بعد أن اهترأت يدا إم ميشيل من كثرة الفَرك بالصّابون، وَالبرّاد الذي بالكاد كان بمقدورِنا أن نشتريه ونَضَع فيه حبة ليمون، وَالتّلفزيون الذي طالما تساءَلت كيف في داخله كُل هؤلاء يَجلِسون، وَ”الفيديو” الذي اختفى بسُرعة قبل أن استوعب لماذا هَروَل على اقتنائه المُشتَرون، وَالحاسوب الذي لم تعودوا تُفارقونه إلّا وأنتُم “نائمون”، وَ”الأيباد” الذي لا تكفّون عن التقاط الصّور لي به بكافة أشكال التّقنيّات والفنون، وَ”الأيفون” الذي سلبَني اهتمامكم بي ولم يعد أحد منكم يذكُر من أكون”!

فَهل بعد كُل هذا لا تتساءَلون لماذا يخشى جِدّو في آخر عمره الجُنون؟

 

أبو ميشيل
 

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة