أدب الأوبئة والجوائح...الإنسان يحكي محنته |

أدب الأوبئة والجوائح…الإنسان يحكي محنته

تاريخ النشر: شباط، 2022 

كما الحُروب، فإنّ الجوائح أيضاً تُنتجُ أَدَباً. أدبٌ عابِرٌ للقارات كما الجوائح ذاتها. وإن نَبَّشنا في عدد الرّوايات التي كَتَبها أُدباءٌ، أو القَصائد التي دوّنّها شُعراءٌ، أو الأعمال الفنيّة التي أدّاها فنانون، رسّامون بِرِيَشِهِم ومَسرحيّون على خشبات المسارِح ومُمثلّون على شاشات السّينما عبر التّاريخ، فعلى الأرجَح أن نجِدها تتجاوز تلك التي خَرجَت إلى النّور في ظُروف “طبيعيّة” وأَكثر استقراراً. فالكاتِب أو الشّاعر أو الفنان في النّهاية ابن بيئته. كما أنّ الكَوارث وما تُخلّفهُ من تقلّبات تُؤثّر في حياة البشر والحجر بما فيها الجوائح تُشكّل للمُفارقة مُحرِّكاً قويّاً للفكر ومُحفّزاً ابداعيّاً للخيال.

وإن لم يكُن بمقدور الإرث الأدبي الذي يَلِد من رحم الكوارِث أن يُقدّم حُلولاً سحريّة للأمم والشّعوب، كأن يَضَعَ حَدّاً للنزاعات والحُروب ويقضي على الفقر والجوع وَ البطالة وَالفساد والأوبئة والأمراض، إلّا أنّه يبقى ذا قيمةٍ وأهميّةٍ بالِغَتَين لِناحية تَوثيق وأرشفة التّاريخ بأسلوبٍ جاذبٍ ومُمتِعٍ، وأحياناً تَهَكُّميّ. كما أنّ “أدب الكوارث” يُعتبر بالنّسبة للأديب أو الشّاعر أو الفنان، وحتّى الإنسان البَسيط أحياناً، مُتنّفّساً للتَخفيف من وطأة الألم والمُعاناة عليه من جِهة وعلى القارىء من جِهةٍ أخرى.

وبالنّسبة للرواية في زمن الكوارث، فقد تكون أحداثُها حصلَت فِعلاً أو مُتخيّلة جرى التنبؤ بها مُسبقاً، أو خياليّة تمّ إنجازُها خِلال أو بَعدَ وقوع كارثةٍ ما، أو مُستوحاة من الواقع مع الاستعانة  بمُخيلّة الكاتٍب. وعدا عن كونِها تتناوَل التَغيّرات التي تطرَق على سُلوكيّات البشر بالاتّجاهين، السّلبي والإيجابي، إلّا أنّ الرّواية التي تلِد من رحم الكوارث يتخلّلها في العادة تناوُل قِصص حُب وَفُراق وألم وعَذابات حصلَت فِعلاً، أو طَوَّرَّها أصحابُها من مُشاهداتِهم الذّاتيّة وواقعِهم المُعاش.

وما يُميّز “أدب الكوارث” أيضاً إبراز سِمات الخير والشّر الكامنة داخِل الانسان وسلوكياته المُتناقضة، حيثُ تتغلّب أحياناً أنانيّتُه على حِرصِه على الصّالح العام بهدف النّجاة. ولا يهُّم إن كَلَّفَّهُ هذا إلحاق الأذى بالآخرين. وبالمُقابل، فقد يتحوّل هذا الانسان ذاته فجأة إلى حَملٍ وديع يُقدِم على التّضحيّات من أجل المَصلحة الجَمعيّة للجماعة التي ينتمي إليها. إنّه بلا شَك الشّعور العام بالخطر الذي يتهدّدنا… يُقرّبُنا من بعضنا البعض تارةً ويجعل منّا أخياراً، ويُفرّقنا تارةً أخرى فنتحوّل إلى غُرباء يَجمعُنا الشّر.

وليسَ بالضّرورة أن يكون هذا النّوع من الانتاج الأدبي وليد اللّحظة. فقد يأتي مُتأخراً، بعدَ عامٍ أو عقدٍ أو حتّى قَرنٍ من الزّمن. وفي بعض الأحيان، قد يكون مُتخيّلاً ومُستَبِقاً لوقوع الحدث. ولا ينتقص ذلك بالطّبع من أهميته أو من قيمة النّص وإبداع صاحبِه. فأحداث الرّواية ليسَ سبقاً صحفيّاً يبحث عنه إعلامي بينَ زحمة الأخبار المُتسارعة فحسب، وإنّما عملاً أدبيّاً مُتأنيّاً قد يجري انجازُه على مراحِل ويستغرِق فَتَرات طويلة.

فرواية “الطاعون” للكاتِب الفرنسي، ألبير كامو على سبيل المثال التي تَدور أحداثُها المُتخيّلة حول انتشار هذا الوباء في مدينة وهران الجزائريّة كانت قد صدرت في العام 1947، علماً بأنّ وباء الطّاعون كانَ قد اجتاح قارات العالم في فترات مُتباينة بين القَرنَين الرّابع عشر والسّابع عشر. تدور أحداث الرّواية الكلاسيكيّة عن طَبيب، البطل، اسمه برنار يكتشف الوباء للمرّة الأولى ويسعى إلى إيجاد عِلاج له. ومن خِلال ذلك يجري طَرح أسئلة فلسفيّة وجوديّة تُواجه الانسان في حالات خَطَر الموت الجَماعي المُباغِت.

كما أنّ رواية “الحب في زمن الكوليرا” للأديب الكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز كانَت قد نُشِرَت بالاسبانيّة في العام 1985، بينما كانَ وباء الكوليرا قد ظَهَرَ للمرّة الأولى، كما يتردّد، في القرن التّاسع عشر. وتَدور أحداث الرّواية حول قصّة حُب بينَ فلورينتينو أريثا وَفيرمينا داثا منذ المراهقة إلى ما بعد بلوغهما السّبعين. وتسرد الرواية التّغيرات الاجتماعية والسياسية والنفسية التي طرأت على حياة العاشِقَين خلال تلك الفترة بسبب الحرب الأهلية الدائرة في منطقة الكاريبي وانتشار وباء الكوليرا. كما تَرصُد بدقة التّحوّلات الاقتصادية والأدبية والديموغرافية في المكان الذي تَدور أحداث الروّاية فيه أيضاً.

وَمِن جُزُر “الكاريبي” إلى جُمهوريّة الكونغو ومنطقة أنزارا جنوب السودان في القارة السّوداء حيثُ نَجِد رواية “إيبولا” للروائي السّوداني، أمير تاج السّر والتي تَدور أحداثُها عام 1976. صدرَت الرّواية للمرّة الأولى عام 2012، أي عام واحِد قَبل الانتشار الواسع لهذا الوباء في إفريقيا عام 2013. يَقَع الشّاب لويس نوا، الذي كانَ يَعَمَل في مَصنعٍ للنَسيج في منطقة أنزارا جنوب السّودان في حُب فَتاة تعمل بائعة ماء مُتجوّلة اسمها تينا فيتزوّجها. يُضطّر نوا من ثمّ للسَفَر إلى كنشاسا، عاصمة الكونغو في مُهمّة عمل. وهُناك يَخون العامِل البسيط زوجتَه مع إحدى الخادِمات التي تَعمل في نُزُلٍ للفقراء. يُلاحِق “أيبولا” جسد نوا ويستوطن في دَمِه ويتنقّل معه بين كنشاسا وأنزارا، مَسقِط رأسه.

ومَع انتشار كورونا منذُ ما يُقارِب عامَين ونَيّف بدأنا نَشهَد نتائج الاستثمار الأدبي في كورونا عالميّاً. ومن بعض الرّوايات التي صدرَت عربيّاً اثنتان تَحمِل عُنوان “حُب في زمن الكورونا”. الأولى، للشابة اللّبنانيّة ستيفاني عويني والصّادرة عن دار أبعاد للطباعة والنّشر عام 2021. وهِيَ الثّانيّة لكاتبِتِها بعد “ليلة جامحة” والصادِرة عام 2020، إضافة إلى عددٍ من قصص الأطفال المَنشورة سابِقاً.

وتُسّلّط الكاتبة الضّوء على التّغيرات النفسيّة والاجتماعيّة على البشر في زَمن الجوائح وعلى الصّراع بينَ الخير والشّر في الانسان عندما لا يستطيع إيجاد الحُلول لمشاكِله المُستعصيّة، حيثُ يَزداد أنانيّةً وعِدائيّة. وتُجسّد الكاتبة فِكرتَها من خلال تَخيُّل جماعة تُسّمّى “المُطّهرون”، تَظهَر مع انتشار الجائحة، مُهمّتها مُلاحقة المُصابين وقتلهم.

وبِالمقابل، تُبرِز الكاتبة السّمات الإيجابيّة التي تُرافِق الانسان في المِحَن الجماعيّة، كرَفضِهِ إلحاق الأذى بالآخرين ومُواساتِهِم وتَقديم يَد العون لَهُم في إشارةٍ منها إلى أنّ الخَير والشّر غالباً ما يجتمعان عند وقوع الكوارِث.

ويتخلّل الرِّواية قِصّة حُب تنشأ بينَ عُمَر وأنابيلا، حيثُ يَلتقي الحَبيبان في مركزٍ للحجر الصّحّي بَعدَ فَشل “الأخيرة” في علاقتها الأولى مع فادي الذي كانَ يعمل على أيصال المُؤن الغِذائيّة لأهل الضّيعة في بداية انتشار “الجائحة”. ومن حين لآخر تُعرّج عويني على أوضاع البَلد المُتّردّية على مُستويّات عِدّة بسبب المنظومة السّياسيّة الفاسِدة الحاكمة.

أمّا الرّواية الثّانيّة التي تحمِل الاسم ذاته ويُفترَض أن تكون قد صدرت مُستهل العام الجاري فلِلكاتِب والصّحفي الأردني عبد الرّحمن طهبوب. وتتقاطع الرّوايتان لناحية تناول العَطب الأخلاقي الذي أصابَ الانسانيّة في زمن جائحة كورونا، الأمر الذي يستدعي، من وجهة نظر طَهبوب، إيجاد لقاح يُعيد البوصلة للبشريّة ويسترّد انسانيّتِها التي فَقَدَت.

ولا تَقتصِر الاصدارات على هاتَين الرّوايَتَين العربيّتَين بالطّبع. فاللائحة تَطول وغَدت الرّوايات تَغزو المَكتبات وتتدفّق على معارض الكُتُب حول العالَم. فقد شكّلّت الجائحة، وبالأخّص  خِلال الشّهور الأولى من ظُهورِها، حيثُ العزل المنزلي المُشدّد، دافِعاً قَويّاً وراء عَودة الكثيرين إلى قراءة ما كُتِبَ في الماضي بهذا الصّدد وتَدوين ما يجري في الحاضِر عدا عن َالتنبؤ أيضاً بما يَنتظرُنا مُستقبلاً.

فقد كانَ للشّاعرة والرّوائيّة المَغربيّة عائشة البصري حُصّة بالمُساهمة من خِلال روايتها “كجُثّة في رواية بوليسيّة” والتي تصِف فيها مخاوِفَها من القادِم الغامِض أثناء فترة العَزل. وكتبَ الرّوائي المصري عِزّت القمحاوي رواية “غُربة المنازل”، والجزائري واسيني الأعرج “ليليات رمادة”، والكويتي طالِب الرّفاعي “لون الغد”.

أمّا عالميّاً، فقد صَدرَ على سبيل المثال لا الحصر عن الرّوائي الإيطالي، باولو جيوردانو رواية “عدوى”، وعن الكاتبة الأمريكيّة، جودي بيكولت رواية “ليتك كنت هُنا”. وهذا ليسَ إلّا القليل ممّا نُشِرَ من روايات حتّى اللّحظة وَما سوفَ يتّم انجازُه مُستقبلاً.

تَختَلِف الأزمان والأماكِن والشّخوص، إلّا أنّ قواسِمَ مُشتركة نَجِدُها في العديد من الرّوايات التي تَلِد من رحم الكوارث. تَتباين في الأبعاد التي تُسلّط الضّوء عليها، في تَفاصيلِها، حَبكتِها، أسلوب السّرد والعرض اللّغويّ، لكّنها غالِباً ما تَتقاطع في تناول سلوكيّات الانسان المُتناقضة عندما تحّل المِحَن بِجَماعةٍ ما. تُبرِز تَطرفّه، أنانيته، قَسوته ، كَرمَه، جَشَعه، حِكمتَه، سذاجتَه وشعبويّتَه. إنّه الخوف من المجهول. إنّهُ صِراع البقاء الّذي يجعَل كُل هذه التّناقُضات تطفو على السّطح عندما تَحّل كارثة جمعيّة ما بالبشريّة. ولا يختَلَف الأَمر سواء كانَت أحداث الرّواية، أي رواية واقعيّة، مُتخيّلة وسابِقة لحدوث الكارثة، أو مُتخيّلة تاليّةً لها ومُستلهمّة مِن وقائعِها على الأرض.

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة