النّازح واللاجىء |

النّازح واللاجىء

لا أعرفُ الفرق بين نازح ولاجىء، كانت كل تصوراتي منذ الطفولة عن هذا الأمر بأن من ترك أرضه بعد نكبة عام 48 سُمّي لاجئاً، ومن تركها بعد نكسة 67 سُمّي نازحًا، وكنت مقتنعًا مرتاحًا لهذا التفسير وأراه منطقيًا، ولم أبحث في أصول اللغة أو التاريخ عن المسمى، فأنا ولدت لاجئًا وارثًا هذا الوسم عن أبي في كرت التموين، وهذا ما وجدنا عليه آباءنا. 

وإبان الحرب السورية، وبعد هجرة الفلسطينيين من سوريا ومخيم اليرموك على وجه الخصوص إلى أوروبا، صرت أتساءل: هم كانوا نازحين ثم لاجئين أم كانوا لاجئين نازحين ثم لاجئين مرة ثانية؟! كم مرة على الفلسطيني أن يغادر الأرض التي أحبها ويجد موطأ قدمٍ جديد لذكرياته المبعثرة؟ وبكيت يومها، حين لم أجد جوابًا مقنعًا، سوى حقيقة التهجير رغم أن لنا وطنًا واضح المعالم والخرائط والحدود، ككل البلدان، فلماذا كُتبَ علينا الشتات؟! والمضحك المبكي حينها أني حمدتُ الله أنّي ما زلت بمسمى واحد أي (لاجىء) ولم أضطر لأبحث لنفسي عن هوية جديدة، وأنّ ما أهون (لاجىء) وحدها أمام مصائب الآخرين. 

وقد كان صديقي المصري يمازحني بعد يوم عمل طويل مرهق، حين يرآني آخذُ قسطًا من الراحة، بسيجارة وأجلسُ على رصيفٍ في طرف المشفى، كان يسألني: تعبت يا لاجىء؟ وفي كل مرة كنت أملك جوابين، أحدهما ظاهري سهل أرد مباشرة فيه، والآخر باطني أكتمه في نفسي لأنّه لا وقت لفلسفة المعنى وأنا طبيب مسالك رائحة البول تنبعث من حولي، كنت أرد عليه: نعم، تعبتُ يا فلاح. ونضحك وتنتهي المسألة، أما الجواب الباطني الذي كنت أكتمه لأن لا تتحول الملهاة إلا مأساة إن فهمها، بأن اللاجىء لا يتعبه سوى أن ليس له وطن. 

أنا ولدت في غزة، ولم تطأ قدماي مكانًا في فلسطين غيرها، ولا أعرف الوطن إلا من خلالها، لكنّي كنت دومًا أقول لابراهيم صديقي: شكرًا على حسن الضيافة يا غزّاوي، حين نعود إلى المجدل سأعطيك بيتي وأسكن في الشارع. تعودت دوًما أن أردّد: أنا لاجىء من المجدل، وأنت مواطن من غزة. فبدون ذاكرة لا توجد علاقة حقيقية مع المكان، رغم أني أحب غزّة أكثر من المجدل، لكن لا بد من توارث ذاكرة الأجداد أيضًا لتبقى علاقتنا مع المجدل حقيقية، وتكون العودة حتمية. 

عدتُ إلى غزة قبل الحرب، في إجازة طويلة، وقد كان ما كان، وشهدت منها ما دفعني للنزوح الداخلي أكثر من مرة، وتطوعتُ للعمل في مستشفياتها، وبحثت عن الطحين، وخبزتُ العجين على أفران الطين، ووقفت في طوابير تعبئة المياه الحلوة والمالحة والحمام المشترك، ومارستُ دوري (المغصوب عليه) كلاجىء في العودة إلى الخيام، وأتممت كل دفتر معاناة اللاجىء منذ النكبة، وجربتها كلها، وحصلت على الشهادة بامتياز، حتى أتتني فرصة لأتمّم المصير، مصير شعب الخيام، وأخرج من غزّة نازحًا أو لاجئًا لا أعلم ما الاسم الصحيح يا أبي، وآخذ دور فلسطينيي سوريا الذين بكيتهم وظننتُ بأن حالي أفضل منهم، وتركت في غزّة أنا، وأنا الآن هنا بلا معنى ولا هوية، مشتتًا نازحًا لاجئًا مثقلًا بكل مفردات الشتات، ووطني صار حقيبة أحمله معي، ولا أعرف إن كان صوابًا ما فعلته، أن أنتظر الموت وأنا لستُ خائفًا منه أم أصير خائفًا أن أموتَ الآن كالبعير؟

حسن مطر

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة