حين كنا صغار قبل دهر طويل طويل
كانت أختي حنان رقم 10 في الأسرة
وكنت أنا رقم 11، (على راسها)
أي أنها آخر العنقود في البنات
وأنا آخر العنقود في الأولاد
كنا نلعب معًا ونتهاوش ونتصالح ونتآمر ونرتكب الصغائر. مرة دخنا معًا، ولأننا لا نعرف كيف يكون التدخين فقد أشعلنا السيجارة بالعكس فخنقنا الدخان من أول نفس لأننا عمليًا دخنا اسفنج مشتعل. كان هذا في فرح أحد جيراننا حيث كان يوزع أهل الفرح دخان (من نوع تايم وإمبريال) وكان ذلك قبل نحو أربعين سنة. كانت حنان فتاة جميلة قوية بهية محبوبة في البيت وخارجه. وكانت تقية. ولما كبرنا كانت تسير في خطىً واثقة نحو مستقبل باهر واعد سعيد: زواج عامر وأسرة ناجحة وأبناء وبنات صاعدون ناجحون وزوج منتج كريم. ثم انقلبت على حنان الحياة بكل قوتها. في حرب 2014 استشهد حبيبها وابنها البكر محمد (25 عامًا). حين عدتُ معه من مستشفى كمال عدوان في الإمبلانص ووصلنا البيت، اجتمع أهل الحارة وضجوا لاستشهاد محمد، فانهال الجميع على الملاك المُسجى كلٌ يريد أن يودعه. أمه، حنان تريد قبلة الوداع، في هول المشهد، تحاول، لكنها مهدمةً كسيرة، لم تستطع مجاراة الحشود الهائجة، مما زاد في صدمتها وحزنها وانكسارها، في ظني. منذ ذلك المساء الرمضاني المليء بغبار القصف والغيوم والكآبة، سكتت حنان خمس سنين وصامت عن الحياة الاجتماعية حتى هذه اللحظة. واليوم يمضي ابنها الثاني حبيبها وحبيبنا، علي (25 عامًا) إلى ربه أيضًا دون أن تودعه. إن أعظم ذنب ربما تكون ارتكبته حنان هو ذلك النفس من السيجارة وفي الطفولة. لماذا فعلت كل هذا بها يا موت؟ ثبورا لك يا موت .
محمود الحرثاني
١٧/١/٢٠٢٤


