لأن الشيءَ يكتسبُ معناه من ضده، أردتُ أن أحيا في حضرة الموت؛ لأصيرَ منتشياً بحياةٍ في اللاحياة، أعرف أنني سأبدو شاذاً وسط هذا الدمِ والدمار، وأعرف أنها ليست حياةً كحياةٍ خارجَ مدينتنا، فالأماكن تعطي المفردات معانيها المختلفة، لكنه التحدي في وجه قاتل لا يريدك أن تعيش، فقرأتُ وكتبت.
وأنا ابن التسعة عشر عاماً، بدأت الكتابةَ في الخامسة، والقراءةَ مذ كنت جنيناً، فنجوى، أمي، كانت تقرأ لي الكتبَ والرواياتِ مذ كنت في رحمها، فأورثتني حياةً ملؤها البحثُ والفكرُ والقراءةُ والكتابة، لكنني لم أكن أعرف يوماً أنها أورثتني حياةً في اللاحياة.
وأنا الذي أخلق مكتبةً في بيتي كتاباً فوق كتابٍ، أصبح الآن فيها إهداءات من كتّاب كانوا محض خيالات وصورٍ افتراضية، حتى التقيتهم في رام الله، وصاروا دماً ولحماً في الذاكرة يخلقون لي _بكتبهم_ حياةً تحت الموت، وأتركهم بعدها لوحدهم فوق الرف عرضةً لأي صاروخ عابر، فليسامحوني.
قرأتُ في هذه الحرب زياد خدّاش، أنور الخطيب، يسري الغول، عبد الرحمن شبانة، مهيب البرغوثي، وسعود السنعوسي، وخالد الحسن، وجواد العقّاد، وحسن القطراوي، محمود درويش، إميل حبيبي، ربعي المدهون وأقرأ أمين معلوف، وأتلذذ بمايا أبو الحيّات ومائها الشعري السهل، لكنَّ الوحيدَ الذي كان أكثرهم حضوراً في دهشتي، كان غسان كنفاني، حين كتب في مجموعته القصصية “أرض البرتقال الحزين” عن حرب غزة 2023!
هل نهض غسانُ من قبره؟
هل قطع حدود الأرض وصار الآن في غزة؟
هل يقف في طوابير الخبزِ والماء؟
هل يشمُّ رائحة الموت الذي ملأت شوارعنا؟
أم أنه راح يبحث عن قدم ابنة اخته بين الأشلاء، تلك التي أحضر لها بنطالاً أحمرَ من الكويت؟
أم أنه نازحٌ في مدارس الوكالة التي كان يتذمر من راتبها الذي لا يكفي لإعالة أسرته، ولا مأوى له اليوم سواها؟
دُهشت جداً وأنا أقرأ قصة “ثلاث أوراق من فلسطين/ورقة من غزة” وأصابني بالخوف حين عرفتُ أنه كتبها في 1956، حينها أسقطني غسانُ في حيرةٍ بين سؤالين:
هل هذه الغزة ملعونةٌ بالموت والدمِ والدمار على مدار التاريخ؟
أم أنها مصابة بمتلازمة النهوض المستحيل من الركام؟
ولأنَ الباحث عن الإجابة حيٌّ حتى يجدها، سأماطل في إيجادها حتى تنتهي الحرب، وإن رحلتُ قولوا مات وهو يبحث عن إجابة، مات وهو يقرأ، مات حياً.
حيدر الغزالي
٢٤/٤/٢٠٢٤


