هذا الجيل المسكين.. الذي تتكون شخصيته في قاع هذا الفرن النفسي الرهيب.. مسكين!
أحاول أن أنظر بعيونهم إلى القضية، أقول: لو كنت في العشرين، أقل من ذلك بقليل أو أكثر بقليل.. كيف سأرى الدنيا اليوم؟؟ أخاطب نفسي: انسَ خيباتك وكبواتك التي تسميها خبرات.. ارتفع كثيرًا بمستوى توقعاتك كما يفعلون.. انظر إلى الحياة كما ينظر إليها أصحاب ذلك العمر: طريقًا من الورد يمكن أن تصادف عليه بعض العقبات!.. لا طريقًا من العقبات يمكن أن تصادف عليه بعض الوردات!.. حدق في الواقع بعيونهم وفكر.. كان هناك (على أيامنا) طريقان للوصول إلى الوطن: الحل السلمي والبندقية.. وكان جيلنا منقسمًا إلى قسمين متراهنين.. كلٌّ يراهن على طريق.. وكنا في مدارسنا وجامعاتنا ونقاباتنا ومجالسنا وأمسياتنا نتحدث في الأمرين.. بمحبة أحيانا وبحدة أحيانا.. ونشكل حالة وطنية خلافية مقبولة عشنا في ظلها طوال مراهقتنا وشبابنا.. أيْ نعم انتهت بالانقسام البغيض لكنها كانت حالة طبيعية من الاختلاف الصحي رغم ماساوية مآلها.. أما اليوم.. أما هذا الجيل.. وبعد كل الفشل الذريع والرهيب الذي مني به الطريقان وبعد الخراب الفظيع الذي تم اقتياد الوطن إليه.. هل سيثق الجيل في أي طريق بعد ذلك؟! وبالتالي سينبثق من هذه الظلمة طريقان مرعبان: طريق الوطن وطريق الهجرة؟! أم هل يتحول الجيل إلى مسخرة عقلية وفكرية.. جيل ممسوخ التفكير ضعيف الشخصية منهزم البصيرة لا يرى ملامح للطريق وقد مُسحت أمامه كل طريق ممكنة للقضية كما مُسحت طرقات الوطن؟!
أحدق في الفتيات اللابسات ملابس الصلاة على الطرقات.. هل سيخلعنَها ذات يوم إلى الأبد ويخلعنَ معانيها ومضامينها لأنها لا ترتبط في ذاكرتهن إلا بالخيمة والنزوح والعذاب والتشدد والضياع؟ ماذا سيكون البديل؟ إلى أي مدى سينفلت النابض (الزنبرك) المكبوت المضغوط في أنفسهنّ؟؟ وأين سيقذف بأمهات المستقبل في فضاءات الضياع القيَمي والنفسي؟!
الفتية الصغار الذين يجرون خلف المسلحين الذين يعتلون شاحنات المساعدات وينظرون إليهم بإكبار وإعجاب!.. كيف سينظرون إلى البندقية بعد ذلك وقد ارتبطت في أذهانهم بهذه المشاهد؟
كيف سينظرون إلى الطريق السلمي ونحن نُذبح على مرأى العالم كله على مدار أشهر طويلة أمام مرأى دعاة السلام ودعاة الإنسانية ودعاة المبادئ كلهم وكلها؟!
كيف سينظرون إلى أي شيء وقد انهار أمام أعينهم كل شيء؟!
هنا جيل تَصنع شخصيته كل عوامل الشر الكبرى؛ الفقر، الجوع، الخوف، الضياع، الجهل، المرض، العربدة، الفلتان الأمني.. فكيف سيرى هذا الجيل قضيته بعد ذلك؟ وكيف سيرى وطنه ومسار السلام ومسار البندقية وأي مسار مستجد على طريق قضيته؟!
إنهم ينظرون إلى كل شيء عبر ثقب في قماش خيمة، وعبر مؤخرة حمار على عربة وعبر فجوة في جدار بيت مقصوف وعبر غبار الطرقات المدمرة وعبر الكلمات النابية التي صارت تنتشر كالقذارة على الطرقات… كيف سيرى أحدهم أي شيء عبر هذا الجحيم؟!
إن أكبر هزائمنا في هذه الكارثة هي هذا الجيل.. وإن ضياع الإنسان هو ضياع الوطن.. وقد ضاع الإنسان أو أوشك أن يضيع.
هل يوجد أقسى من أن ييأس الشخص حتى من كتابة وصيته الأخيرة، متخيلا أن أوراقها ستتناثر مع جسده، ستتلطخ بدمه .. أو قد تحترق مع جثمانه !
هل يوجد أقسى من أن يتخيل الشخص أسرته الجميلة التي اعتادت على الترفيه .. بين الأنقاض، لا يدري من يسبق من للموت !
هل يوجد أقسى من أن يتخيل الشخص أنه بعيد كل البعد حتى عن عين أهله والعالم، وأنه يقتل دون القدرة على الاستغاثة !
الظلام دامس من حولي، لا تضيئه سوى القذائف والنار، ولا يشقه سوى أصوات أناس يطلبون النجدة .. لا يستطيعون الاتصال بالاسعاف لانقطاع شبكات الاتصال !
هل يعقل يا إله الكون أن لا نتمكن حتى من الصراخ !
محمد العُكشيّة
٢٥/٤/٢٠٢٤


