ما الذي تفعله امرأة مثلي في يوم سبت؟  |

ما الذي تفعله امرأة مثلي في يوم سبت؟ 

 

يأتي يومها على حذر وبحاجة الأطفال للأعياد تصحو له، تمشي برفقة البحر، تلوح للشمس، تلتقط صوراً للغيمة ستعيرها لأطفالها الطلاب وتخبرهم قصة الوسائد في السماء، ستلبي فضول الجارات عن سبب رائحة الفانيلا ليلة السبت من بيتها، ستخترع إجابات كثيرة لفضول المارين عن وحدتها. 

اليوم بعد مرور سبت وسبت وسبت وسبت وسبت وسبت

من يعيد لامرأة مثلي سبتها الذي تحبه؟

نسيت الإجابات هناك في زحام البحث عما يناسب حقيبة الإخلاء أن تحمله ربما على الطاولة القريبة من مدخل البيت، ربما على درج البيت، أذكر أنني وقفت بالشباك أودع البحر وشبابيك الجارات، ربما هناك بجانب التخت إنها عادتي في ترك الأشياء لحظة النوم أفك ربطة شعري، هاتفي وبعض من ملل أيام الأسبوع. 

لا ربما نسيته على الكرسي القريب من صورة أمي في صدر البيت كنت أنظر إلى ملامحها قبل الخروج من البيت. 

في درج المكتب نسيت جواز سفري وبقايا رسائل ورقية كاعتذارات للصغار عن ضجيجهم يوم درس “أحب وطني”

قد يكون هناك!

في الشارع أمام البيت التقطت حقيبتي وحملت أخرى على ظهري وبيدي الأخرى مسكت يد أبي. سقطت من كيس جاكيت لأبي لم نستطع التقاط الجاكيت ربما صارت الإجابة مؤنسة للجاكيت. أشتاق لشكل إجاباتي التي اخترعتها عن كل التساؤلات كنت أفتتها لقيمات في فم الصغار بالصف وفي ساحة المدرسة وفي الطريق إلى الدرس.

اخترعت إجابات عن شكل العاطفة في قول شعري، وطريقة تذوق النص، وتفرد الكلمة، والسفر نحو المدن البعيدة وعن شكل الجبل والنهر، ولي الألف في نهاية الكلمة. 

ووصف الدهشة، وصوت اللهفة، وصوت الموج، ومقاومة سمكة. والسكون بعد الصراخ، والهدوء بعد الانفجار.

أيعقل أن تنسى امرأة مثلي شكل إجاباتها؟ 

ستجيب الحرب:

لا وقت لتذكر كل هذا

الوقت من ركض 

من هروب 

من صراخ 

من خوف 

من قلق 

من ترقب 

من دم 

من غياب 

من فقد 

من شتات 

من مجهول 

من…

من…

من… 

لتسكت الحرب، لتنتهي الحرب، لتفنى الحرب ولو قليلاً ولو إلى الأبد.

لقد جاء السبت مراراً تبدلت فيه المفردات بين بيت وبيت فصار الخروج من البيت قراراً مليء بالبكاء ومضطرب بسؤال إلى أين؟! 

الإجابة بسرعة الخوف: عند أول بيت قريب 

الصفة: لجوء مؤقت 

الإقامة: مضطربة 

المكان: لابد لأن يتسع للمزيد 

خرجنا من البيت عشرين دخلنا إلى بيت به ستين وفي سبت قريب صار في البيت مائتين.

وبعد سبت وسبت وجدت صفة أخرى لهروبنا “نزوح” ما هذه السرعة الخائفة التي تريد من مائتي شخص أن يصيروا في شاحنة في سيارة؟ 

في الحرب لا وقت لأن تنطق بالإجابة، الإجابة تركض أمامك، تسحبك من يديك، تقف بجانبك وتربك عضلات صدرك وتصرخ بك 

أرجوك بسرعة اهرب!

بل علينا أن نتفق هروب أم نزوح؟ 

لا يهم! 

أي لغة ستسمح لك أن تتنازل عن مهمتك الآن “لتنجو” 

هذا هو الفعل، لكني لست بفاعل، يقودني الفعل بلا إرادة مني. 

ما هذا الشقاء الذي يتطلب منك أن يكون الفعل أقوى من فاعله؟! 

لا وقت للإجابة لتسرع السيارة إلى هناك؟ 

إلى أين؟

حيث تصمت الحرب مباغتةً وتشهد على خوفنا منها فتهتز محتفلة فتطلق صاروخاً قريباً من شباك بيت النزوح _اللجوء_ أو _الهروب_ لا وقت لاختصاص المفردات 

لا، بل أريد صفة وجودي هنا! 

لا يهم 

“لتنجو” 

وماذا بعد؟ 

لا يهم؟ 

وإلى أين؟ 

حيث تفتح السيدة بوابتها وتأثث غرفة خاصة تصلح لتنام النجاة بجوارك! 

وهناك عند الشباك مر سبت آخر يذكرني بالبيت بل يأخذني 

لا يهم! 

موسيقى! 

من ذا الذي يجرؤ؟ 

لنهادن الموت على جرعة موسيقى ووتر عود! 

هل يُصلح الرقص خراب الحرب؟ 

لا يهم! 

لتأخذني الموسيقى إلى هناك حيث سبت في البيت شاي بالقرفة وصوت عبد الوهاب يقول “كل دا كان ليه؟” 

ما هذه الصدفة؟ 

ليست أكثر من رسالة لزمن لعنته قبل قليل حيث الأولاد بطابور الماء خائفين من افتراس الحرب 

رسالة بين لحظة ولحظة 

موسيقى تأخذني إلى البيت من شباك بيت النزوح _اللجوء_ 

أو _الهروب_ فجأة يصير الشباك أبعد وليل السبت مليء بالغبار وعادت الحرب لتطردني من رحلة إلى البيت وحطمت البيت!

تكرر السبت مرة ومرة في واحد منه حدث انفجار أوقع كأس “النسكافيه” عن حافة الطاولة وانكسر الكأس. 

مر سبت آخر ليلة مقمرة وجدت نفسي في بيت لا أعرفه تغني فيه صغيرة “لماذا نحن هنا؟” 

لقد كُسر الكأس يا حبيبتي! 

ومر سبت في ليلة مظلمة خرجت فيه من بيت إلى الشارع أطفأت حواسي عن صراخ الجميع ورددت أغنية أمي المفضلة. 

وسبت وقفت يومها تحت شجرة عند آخر نقطة في المدينة انتظرت أن يمر الناجين وأخبئهم معي جاء خمسة من عشرين احتفلنا بالنجاة ركضاً.

ربما نسيت الإجابة في زحام هذا كله. 

ستسأل الحرب: أي إجابة؟!

سأجيبها: من يعيد لامرأة مثلي سبتها الذي تحبه؟ 

ستقول الحرب: ليس الآن! 

وستمضي! 

غزة/ #فصول_الدهشة_ومحاولات_النجاة

فِداء زيّاد

٢٧/٤/٢٠٢٤

 

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading