من ذاكرة الانتفاضة الثّانية |

من ذاكرة الانتفاضة الثّانية

أعود بالذاكرة إلى بداية الانتفاضة الثانية، زمن الاجتياح، الكرّ والفرّ، حينها كنت في المرحلة الابتدائية، لكنّ ذاكرتي تتسعُ جيدًا لذلك، وأكثر ما هو عالقٌ بها (اجتياح الزيتون) و(اجتياح جباليا)، كانت مكررة، وشرسة. وفي مرة (وأنا من سكان حي الشيخ رضوان) قام الثوار بتجهيز زوايا حيّنا بأكياس الخيش المملوءة بالرمل، وجبال الرمل، تحضيرًا للاجتياح. لكنّ جباليا والزيتون كانتا حصنًا منيعًا ولم يصلوا حيّنا، حتى كبرتُ وظننتُ أن الدبابة لا يمكنها على الاطلاق أن تصل إلى الشيخ رضوان. لكنهم دخلوا الشيخ رضوان هذه الحرب، دخلوه مرتين، إلا أن عمق المخيم (جباليا) ظلّ عصيًا عليهم ولم يدخلوه. وإن غيّرت الحرب الكثير من المفاهيم في رأسي، إلا أن فكرة استحالة الوصول إلى عمق المخيم/ المعسكر، ظلت موجودة. ولا أعرف من أين أتيت بكل هذه الثقة، رغم أنهم دخلوا غزة من الغرب وخرجوا من الشرق. منذ الأمس وأنا أتساءل هل تسقط آخر التصورات عن صمودنا؟ هل تسقط آخر القلاع التي لم أتخيل يومًا سقوطها؟ لا أعرف ما الرابط بين جباليا والزيتون، لكنّ القصة الآن كأنها تبدأ من جديد، هذا الزيتون رمز تجذّرنا وهذا المخيم رمز عودتنا، يتعرضان بالتزامن للاجتياح، كأنّهم أعادوا الهجوم لتُعاد صياغة التاريخ وتسقط رموزنا فتنكسر معها إرداتنا بسقوط أهم قلعتين. جباليا والزيتون هما كلمة السر، هما تفاصيل غزّة العنيدة، هما آخر ما تبقى من صورة الأمل والعودة وفلسطين، إن يسقط المخيم ويُقتلع جذر الزيتون، لن تقوم لنا قائمة ولن يرحلوا عنها، وسيحتفون ويحتفلون بذلك سنوات داخلها، على أنقاض التاريخ والثورة والنضال الفلسطيني، وإن تصمدا، وتقتلعا شوك المحتل وتطردانه، فإن فلسطين من بحرها إلى نهرها ستكون ممتنة لزيتونها ومخيمها، وسيذكر التاريخ جباليا والزيتون كما ذكرت ستالينغراد وأسوار عكا، الصخرة التي تحطمت عليها آمال الغزاة، وعانقت بعدها الأرض أصحابها.

حسن مطر

١٣/٥/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading