مَنزِل صَديقي عِماد |

مَنزِل صَديقي عِماد

كانت رفح محطة من محطات النزوح، التي لجأنا إليها قبل خمسة أشهر بعد ان داهمتنا الدبابات في مكان إقامتنا المؤقت في دير البلح (مطاحن القرارة).

كان نزوحنا إلى أقصى الجنوب صعبا وطويلاً ولكنه بالمطلق لم يكن قرارا ذاتيا وكنا مرغمين كغيرنا ممن استوطنوا تلك المدينة وافترشوا شوارعها وأرصفتها.

لقد كانت رفح اشبه بكوكبٍ صَغير وشوارعها بالكاد تتسع لموطئ قدم.

لن اطيل الحديث عن المدينة فللحديث عنها مقامات أخرى. … والحرب مليئة بالحكايا والقصص، ولكن ما يعنيني هنا ان أتحدث عن منزل صديقي أبو يوسف (عماد)، سأحدثكم عن المنزل ……الذي (كان مخططا له)…

عماد زميل دراستي في المرحلة الجامعية الأولى وصديقي منذ اكثر من ثلاثين عاما وكان ونيسي في المدينة المكتظة بالغرباء، 

صديقي عماد ابن رفح حرصت على زيارته بشكل شبه يومي في منزله، نقضي الساعات معاً نجلس ونستقبل الأصدقاء النازحين والمقيمين وزملاء الدراسة في فناء المنزل الخارجي الذي (كان مخططا له) ان يكون حديقة المنزل.

كان يستضيفنا صديقي داخل المنزل في أوقات البرد وفي أوقات الحر الشديد …ونجلس سويا في فضاء (كان مخططاً له) ان يكون صالة لاستقبال الضيوف والزوار.

للمنزل قصص كثيرة لا تنتهي … فما عليك سوى أن تسمعها من صديقي.

يستطيع ان يحدثك عن عدد المرات التي اجرى فيها تعديلاته على مخططات المنزل

يستطيع ان يحدثك كيف ان خياراته كانت موفقة في توزيع الفراغات 

يستطيع ان يحدثك كيف اشرف على تنفيذ كل التفاصيل ( التي كان مخططا لها) 

كان عماد يحدثني عن المنزل (الذي كان مخططا له) ان يسكنه قبل السابع من اكتوبر بأيام قليلة

كان يحدثني عن الأثاث الذي اصبح جاهزا حسب طلبه وكما (كان مخططا له)

كان يحدثني عن الحديقة المتخيلة وأنواع الزهور والشجيرات التي سيقوم بزراعتها.

كان يحدثني كيف استطاع ان يدير التزاماته المالية ليحقق حلمه الصغير

كان عماد يحدثني…… وأنا كنت استمع له.

كنت استمع له بصمت شديد لأنني اعرف جيدا ماذا يعني المنزل

كنت استمع له وهو يحاول إقناعي بان اجتياح رفح لن يكون

كنت استمع له وهو يحاول ان يطرد الفكرة ويحاول إقناع نفسه بان الكارثة لن تكون…

قبل يومين في اتصال هاتفي سألت صديقي ابن رفح (طمني شو الأخبار)…

قبل يومين في اتصال هاتفي كنت استمع لحديث صديقي عن المنزل الذي (كان مخططا له) وكان يصف لي الأضرار التي لحقت بالمنزل قبل ان يغادر رفح ليصبح نازحا ……… مثلي

عزيزي عماد في آخر زيارة لمنزلك، كنت تعد القهوة وكان السواد يغطي الأفق من بعيد فاحتفظت لنفسي بصورة مع المنزل (الذي كان مخططا له) ان يكون …… جنتك في الأرض.

ميسرة بارود

٢٠/٥/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading