إلى "سامي" |

إلى “سامي”

 

 عزيزي سامي،

أكتب لك الآن ونحن على بعد فحجة قدمٍ من شمال الوادي، بينما أنت تجلسُ مع أطراف أطفال مدينتنا تعد أصابعهم لتسألهم عن من سرق البيضة وأكلها، تطلبُ من الله أن يسلّم الصغار بعد أن نقر الغراب الطائر كل الفطائر، وأخذ معه ما يكفيه من أياديهم وأقدامهم لِيتركهم أشلاء، فتحاول أن تجمع أجسادهم المنثورة فوق السماء، أبحثُ عن سيارة أو تندر “شاحنة كبيرة” متجهة إلى مواصي خانيونس، حيثُ ما تأكل الخيام الأراضي الفارغة، وأجساد النازحين عارية من ذاتها، أتذكر يا سامي كيف كنا نتأمل منطقة مدينة أصداء الواقعة في خانيونس، ونتخيل لو أننا أغنياء، كان بإمكاننا شراء كل الأراضي لإنشاء مكتبة ضخمة تجمع كل فلسطين، ومتحف. يا الله ما أجمل المتحف الذي تخيلناه يحمل لوحات فريق بنفسج، يحمل معرض مطار غزة الدولي الذي عملنا عليه سوياً، يحمل لوحات “الحدود”، ولوحات المخيم السويدي…. 

الطريقُ لم يعد طريقاً يا صديقي، ولا طريقة لإعادته كما كان، لك أن تتخيل زحمة الوجوه السارحة العابسة، وجوه الصغار وهم يطلبون منك شيكل لا أكثر، وأنت تعرف أنه لا يكفي لرغيف خبزٍ! صوت صراخ السائقين العالقين في زحمة السير، حمير البلاد منهكين من السير في شوارع لا يعرفونها، يا إلهي كم هو مؤذي رؤية الحمار متعباً من الطريق وضرب صاحبهُ له، ولا وقت لتلتئم جروحه فهي مفتوحة، تنزف وحدها أمام المدينة.

هذا الحزن أكبر من حجم مدينتنا، فكيف يرتدي شوارعنا، أراضينا؟ وبحرنا! كيف لكل هذا القهر أن يرتدينا؟ هذا الحزن أكبر من نهيق حميرنا، وأكبر من خيالاتنا، امنياتنا ببلادٍ من الكتب والألوان واللوحات، لا يمكنك تخيل فاجعة موت أمنياتنا بين الخيام، ليبدو هذا الموت الأقل وجعاً أمام وجعنا الحقيقي، ولي أن أتخيل معرضك الفني القادم بكل عناصر موتنا، لتحمل مع كل ضربة لون رمزية عالية في البحث عن معنى لكل هذا؟!

سامي، أتذكر الخامس من شهر اكتوبر 2023, كنا متجهين إلى مخيم السويدي لتنفيذ نشاط السينما مع الفريق الشبابي وأطفال المخيم، في زيارة لإحدى الممولين. كنا متأخرين عن الموعد بنصف ساعة لتحضير ورشة السينما التي تتضمن فشار، تذاكر، وشاشة عرض والتي لا نعرف من أين نمد لها كهرباء لكن كنت دومًا تقول لي “تقلقيش محلولة”. وفي نصف الطريق تعطلت سيارتنا، حينها تعاملنا ببرود أعصاب مع عطل السيارة، لأقول لك : “شو يعني تعطلت السيارة” يلا ننزل نتصور! حيثُ تعطلت في أكثر مكان نحب أن نرى غزة منه. 

تعطلت في الوادي، تصورنا وصورتني الكثير من الصور يومها يا سامي، وبين تبديل السيارات كنا نضحك، لا لتأخرنا عن الموعد، ولكن حينها أدركت أن الاشياء تحدث حينما تشاء أن تحدث. لذا علينا أن نستمتع بحدوثها حتى وإن تعطلت – السيارة، فهذا حدث بالفعل. لا يمكنك معاقبة ماتور السيارة لأنه تعطل، لكن يمكننا الضحك لأنه تعطل.

في يوم حضور الممول مثلاً، والوقت الذي سنستهلكه في استنفاذ طاقتنا بالغضب والبحث عن السيارة أخرى هو نفسه الوقت الذي يمكننا الضحك فيه. لهذا ضحكنا كثيراً يا سامي، وكأنه آخر مرة سنضحك فيها.

عند وصولنا المخيم السويدي، عملنا بسرعة على تحضير الفشار، كتابة التذاكر، والبحث عن مكان لتزويدنا بالكهرباء لنستطيع عرض الفيلم، جمعنا الأهالي والأطفال، دعونا الحجة مريم الملقبة بِـ”دلعونا” الحارة لحضور الفعالية، بينما كان فريق المخيم مستعداً بلوحاته وقصص البحر.

كنا نفكر في استمراريتنا داخل المخيم، نخطط لإقامات فنية، نستطيع البيات في المكان لنلتحم أكثر مع سكان المخيم السويدي. نفكر في أقدام الصغار التي تقطع قرابة 7 كيلو ذهاباً وإيابًا إلى المدرسة. مواجهة جميع المهددات لتحصل على حقها في “التعليم”، ونخطط ليوم نسير فيه معهم إلى المدرسة لنوثق عبر فيلم قصير يحمل حكايتهم.

لم نتوقف يوماً عن التفكير في تفاصيل المخيم، وشكل المعرض الذي سنعمل عليه مع شباب المخيم السويدي، شباك صيد، صدف بحر، مقتنيات من رمل البحر، مكان يستوعب لوحات رسمت بيد صياد، جدار يستوعب صور التقطتها فتاة من داخل مخيم تمسك لأول مرة بيدها كاميرا، تعرف معنى الحاجز، ولا تملك خيارات الحياة، لكنها تحاول من داخل سفينة والدها أن تعبر عالمًا مليئًا بالتجارب، تُذهل بصوت المدينة وصخب الفن! 

هل رأيت الأخبار؟

تقف الدبابات في منتصف المخيم السويدي، فوق أحلامنا التي عملنا على تحويلها إلى لوحات وإنتاجات فنية متنوعة، قاموا بمسح المنطقة يا سامي، لم يبقَ منها سوى صورنا، بينما نزح أصدقاؤنا من الفريق الشبابي إلى منطقة المواصي والوسطى. هناك عائلة رفضت الخروج من المخيم قاموا بقصفها وظلت أجسادهم عالقة تحت الركام. يرسل لي محمد حسونة صورة لوحته الاخيرة التي رسمها من أجل المعرض، قائلاً: (نسيتها بالبيت)، وكأنهُ يطلب مني أن أذهب لإحضارها من تحت الدبابة، لأقف عاجزة أمام طلبه! 

كيف أخبره يا سامي أنني نسيت بيتاً كاملاً، وأصدقائي، كيف أخبره أنني تركتك في الشمال عاجزة عن إقناعك بالخروج، وأني بالأساس نادمة على خروجي؟ هل كان عليا الذهاب إلى المخيم لإحضار لوحته؟ هل كان عليا عدم الخروج من الشمال؟

البارحة، كنا نتشارك شيئاً من ذاكرتنا وذكرياتنا في غزة، ضمن أنشطة حملة تشجيع القراءة في المجتمع الفلسطيني التي تنفذها مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، نناقش فعل القراءة في زمن الإبادة، في ظل ما تتعرض لهُ فضاءات المكتبات من إبادة، ضمن سياسة محو الفضاءات المشتركة والمساحات الثقافية. ونتناول رواية “الطنطوية” للكاتبة رضوى عاشور التي توثق النكبة الفلسطينية واللجوء والشتات والغربة، نناقش النزوح من خلال الرواية.

وفي سؤال بسمة الهور من فريق يراعات الأدبي : تقول أمي سنعود قريباً لا أصدَّقها، ماذا عنكم؟ 

تشاركنا مرام احدى الفتيات المنتسبات حديثًا إلى الفريق الشبابي، قائلة : “صاحبتي استشهدت في الشمال، كنا بنعمل مع بعض كل شيء لدرجة حكتلها عنكم قبل ما تموت، كل يوم ببعت رسائل، بس هي ما بترد عليا، لو ارجعت على الشمال مش رح القيها، خليها هي بخير بالشمال، وأنا هان مصدقة انها هي بخير هناك، بدي أضل ابعت لها عنكم رسائل واتصل عليها”.

ألتحم مع مرام شعورياً، أصدقُ كل ما قالته مرام حول صديقتها التي مازالت حية تحت الركام، أصدق رسائلها العالقة، وأصدق أن صديقتها بخير، مثلك تماماً. لا أعرف ان عدت كيف سيكون شكل المدينة دون نقاشاتنا الحادة عن ما ينتظرنا خلف حدودها، ولمن سأعطي نبوءتي فيك؟ لوحاتك الآن يا سامي تلف البلدان، دونك. ولم أكن يوماً أقصد في نبوءتي دونك! كنت أراك ترسل لي صورك من قلب متحف “ليون” في فرنسا، وآخر رسائلنا تطلب مني فيها شكل رام الله في زيارتي الثانية لها، لترسمها من حديثنا، وكنا نأمل أن تزورها أنت أيضاً العام القادم، الحاجز، الطريق، حداثة المدينة وسط أصالتها، كنت أخبرك عن شكل الشروق من الجبل، ولم نفكر في الغروب. أخبرك أن هناك مكان اسمهُ “مطل” يطل على البحر، يحمل رائحة الشمال دونه. كيف سيكون شكل المرسم دون قصصنا الصباحية؟ قهوتنا؟ ولمن سنغني يا سامي؟ صديقي محمد سامي قريقع الذي مازال في شمال الوادي، أعرفُ جيداً أنك بخير، وأعرف من سرق البيضة وأكلها، سأخبرك حين نلتقي غداً.

بيسان عبد الرحيم

٢٢/٦/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading