يراني الأصدقاء بإنني متحيزة وعنصرية كلما قلت: ما في بعد شط السودانية!
لا أعرف كيف أفسر حقيقة ذلك وكيف لي أن أشرح لهم أن تحيزي مبرراً.
هناك عند آخر نقطة يسمح لك أن تصل لها شمال القطاع قبل أن تفترس الحرب ذاكرة المكان. عند العم “أبو إسماعيل” لا يمتلك المكان أكثر من “عريشة” صغيرة ومطبخ بسيط ورمل من ذهب قبل أن تصل البحر يلمع ويلسع قدميك صيفاً. لكنه أحن ما تلمس قدماك منذ أن يهل الخريف حتى الربيع!
عريشة بسيطة يجلس فيها العم “أبو إسماعيل” يستقبلك وكأنك فاتحاً للبلاد مهللاً. الشط واسع لكنه يعرف ما الذي يناسب مزاجك بالمكان زاوية خاصة يعرفها يسمح لك بأن تفرش بساطك، وبكل ترحيب يسمح لك أن تفرش الرمل. وحين يعرف مسار نبض مزاجك يتبرع لك بفرصة اختيار “أكلة سمك” لا يمكن لك أن ترفض هذا الخيار هو يعرف تماماً ما يحتاجه مزاجك، أحياناً يجس نبض مزاجك بخرخشة صوت جهاز الصوت يقلب القائمة كمن يقلب قهوة على نار وفجأة يستقر الصوت من بعيد على أغنية “يا مسهرني” يرفع الصوت حسب ما يشعر أن مزاجك يحتاجه يكون الصوت بعيداً ثم ما يلبث أن تجد الصوت مرتفعاً عند “اسأل عن اللي يقضي الليل بين الألم وبين الذكرى” وكأنه يعرف الآن حاجة الجلسة لأن تسكت قليلاً وتسرح بمن يتوه بين الألم وبين الذكرى!
بينما “أبو إسماعيل” يجلس على عرشه في عريشته يراقب ويضمد ويداوي ويسمح ويرحب ويودع وكأن العريشة والبحر كله بين يديه!
في واحدة من اتصالاتي مع صديقتي آمنة التي ما زالت محظوظة بقربها من هذا الشط رغم الحرب سألتها سؤالي الدائم:
كيف حالك يا بحر؟
أجابت: البحر مش بحر بلاكِ إنتِ وبقية الصديقات اللاتي فرقهن النزوح والموت!
إذاً كيف يبدو البحر بلا كل هذا يا آمنة؟!
انقطع الاتصال!
ذهبت بعدها أمام البحر الأسبوع الماضي مرتين مرة من أمام منطقة “الزوايدة”، والثانية من منطقة “مواصي خانيونس”
أطفأت حواسي عن كل ما حول العريشة إلى خيمة، واختبرت إجابة آمنة هناك مرتين. الإجابة كانت:
يشبه البحر هذا كل شيء إلا ذاك البحر الذي تطل عليه عريشة العم “أبو إسماعيل”!
لقد صار كل شيء بعيداً رغم أن الماء أغرق قدمي في المرتين!
فِداء زيّاد
١٢/٧/٢٠٢٤


