الطفلة ذات الأعوام العشرة قالت لي “يا أحلى عيون عمو..” ولم تكن عيوني حلوة ولا كنت عمو. كنت أسير في طرف السوق متعَبًا ككل العابرين، بلا عينين تقريبًا، وبشعور متعادل نحوها ونحو كل شيء.. لكنها قالت ذلك فحولتني إلى مراهق. لم يزل في القلب من هذا شيء؟! عجيب!! وأحببتها من أول معاكسة!.. عاكستني الشقية فوقعت في حب أعوامها العشرة وصرت عمو عن جد!
يا فتاة.. ماذا تقولين؟ ابتسمْتُ كأبٍ وصارت لي عينان حلوتان وصرت عمو وأكثر.. وأنزلت حقيبة العمر عن ظهري وانحنيت بجوارها معبرًا عن تبجيلي لمشاعرها وخائفًا من أنني أحلم. أيقال لي هذا؟ وسط كل هذا؟؟ وبكل البراءة هذه؟! تعالي يا بنية وعانقي أبوّتي التي أنهكها فراق أحبتي وبطحها أرضًا هدير المدافع.. تعالي.. ماذا تريدين؟ ما اسمك؟؟ قالت هديل، قولي اسمك الكامل حتى أعرف في أي بستان نما هذا القلب.. وأظنني من اللهجة الرقيقة ونبرة الشعور عرفت قبل أن تقول.. قالت اسم عائلتها.. كانت غزاويةً جدًّا.. لا يلُومنّني أحد في أنني أحب غزة وأهلها أكثر من كل الكون.. وحينما قالت اسمها الكامل طاف في خيالي ابني المغترب الذي في مثل سنها وابنة اختي التي تكبرها بعام وطفلةٌ من غزة كانت تكتب الشعر في الصف السادس.. وطاف في خيالي قلبي الذي لم أعد أشعر به منذ عصور.
كانت تبيع شيئًا.. وصدقًا لا أتذكر ما كان!.. غير أنني اشتريت منه الكثير ولم آخذ منه شيئًا! وأخبرتني أشياء كثيرة عن والدها الذي يبيع في مكان ما من السوق وطلبَت مني أن أزوره معها وقالت إنه كان مدرسًا في مدرسة وقالت إنها تعمل معه وتعود في المساء إلى خيمتهم.. وقالت إنها كانت أكثر بياضًا مما هي عليه الآن وأقل قدرة على الحديث.. وعدت وفي خيالي صورتها ولم تنطبع في ذاكرتي الهشة صورٌ واضحةٌ من قبل مثلما انطبعت في ذاكرتي صورتها.. ما كان أجملها.. وما كان أشد بياض وجهها الأسمر!.. وما كان أجمل عينيَّ في نظري بعد أن امتدحَتهما هديل.
محمد العُكشيّة
٢٢/٧/٢٠٢٤


