المهم! أنني أشعر بعطشٍ شديد! وكوب الماء ها هو أمامي! ولكنني لا أستطيع شرب الماء الممزوج بالطين!
أجل! لا أستسيغ ذلك، يقول لي أخي محاولا إقناعي: أنا تركتُ الماء ساعةً؛ فترسب الطين في قاع الكأس ثم شربت! ولم أجد طعم الطين، جربي!
وضعت الكوب أمامي، وأخذت أتأمل نزف الطين الذي يرشح في القاع ببطء مثل تاريخ قديم! تماما مثل ساعة التاريخ الرملية التي ننتظر أن تنتهي، في هذا الطين بقايا أمم مضت، بقايا أجساد كانت لها حياة وذكريات، بقايا بيوت أصبحت ركامًا، بها بقايا ذاكرة كانت ستصبح حُبَّا لو أنها لم تُقتل!
مرت ساعة. ساعتين.. وأنا أتفرج على الطين الذي يترسب بالقاع، مساء أمس! ذهب أخي إلى الشيخ ليسأله عن صحة وضوئنا بماء ملطخ بالطين، فابتسم الشيخ، وملأ وعاء الماء وتوضأ وقال له: صل معي! والآن يقول لي أخي الجملة ذاتها: ها أنا شربت فاشربي معي!
: أنا لا أريد ولو متّ من الظمأ!
هل يجوز لي شرب الماء المتسخ بالتاريخ؟ هل يجوز لي شرب ذاكرة الأرض ؟
يحدّق بي أخي، وبكأسه المملوء بالعتب يقول لي: كلنا شربنا منه!
فأجبته بحسرة: أنا اكتفيت! شربت تاريخي!
مريم قوش
٢٢/٧/٢٠٢٤


