في الحُب والفقد والألم |

في الحُب والفقد والألم

مرحبا حبيبي..

احدثك امام العامة، لأول مرة.. واعلم تماما ان هذا يخالف مبادئنا نحن الاثنين..

لطالما حافظنا على خصوصية هذه العلاقة لسنوات طويلة، لم يُكتب لها أن ترى النور بعد، ودفنت..

“أنا سر بلال الأكبر”، لم يعرفني احدا بصفتي الحقيقية من قبل مطلقا ، كان هذا الموضوع مؤجلا.. 

يمر ثلاث عشر يوما يا حبييي، وحدي .. اشق هذا الطريق وحدي ، انا التي اعتدت ان ارتكز عليك في اتفه الاشياء ، لم ابكيك حتى الان حبيبي..

كان يجتاحني امل كبير في كل ثانية، انتظر انتظر كثيرا .. بلا كلل او ملل

همست لي واخبرتني “اسبوع ورح اقوملك حبيبتي”

ضحكت ، ضحكت كثيرا ، لم تكذب علي يوماً

وعشت على هذا الامل الاربع ايام الباقية.. 

ابكي بجانبك، ابكي بخوف شديد ، وقلبي يرتجف من احتمالية ذهابك من هذه الحياة ، اخبرك وانا ابكي “مش قلتلي مش رح يصيرلك اشي هاد الحرب لسا؟”

وترد علي قائلا ” هيني قدامك انقصفت ولسا عايش، شفتيني صارلي اشي؟ ” ونضحك سويا .. وتقول لي مجددا ” والله هقوم، عشان خاطرك رح اققوم” ، وافرح .. افرح كثيرا ، اذهب وكلي أمل ، اسبوع زمان ورح يقوم ..واصدقه

يعرف بلال كل شيء ، هو خبير بكل الاشياء

يعلم كل الامور وماهية حدوثها، يعرف كل الاخبار

حتى اكاد أن اجزم انه كان يعرف موعد انتهاء هذه الحرب اللعينة، عندما اخبرني بعد اصابته انه سيعود قريبا، صدقته .. ببساطة لان بلال يعرف كل شيء، ولان كل ما يقوله بلال صحيحا.. كل ما يوجهني اليه صحيح.. انا هيك متعودة! ، بلال لا يخطئ ابدا.. لا يكذب ابدا..

يعلم الجميع انك سترحل، الجميع كان يعلم باستثنائي انا، اعيش على أمل كاذب، واشكل كل الاخبار كما يريد قلبي.. 

لو انك اخبرتني، لو لمرة واحدة ، انك سترحل ، لو تحدثنا عن احتمالية رحيلك سويا ، لو وجهتني لو لمرة واحدة عن ما يجب ان افعله حينها..

لكان وقع الامر على عقلي مختلف، او ربما هذا ما اعتقدته انا. 

لم تكن هذه الفكرة مطروحة يوما، ولا حتى في نكاتنا الفارغة، لم تكن هذه الفكرة قد وُجدت في خيالاتي حتى، لطالما قلت لي طوال التسعة اشهر ” تقلقيش، لسا مش رح اموت هاد الحرب،بقدر اسيبك انا؟” 

وانا اصدقك، كما اصدقك دائما حبيبي.

يقول الطبيب :بلال حالته صعبة ، يعني ٨٠٪؜ ….وما كمل

بس قال يمكن في امل..

انا تجاهلت النصف الاول من الجملة، وتشبثت بالنصف الاخر ” يمكن في امل” 

يا الله .. يا الله كم هو موجع هذا الامل 

يا الله .. كم احرقني هذا الامل يا الله

بعد رحيل والدك، بكيت .. بكيت كما لو انني عرفت البكاء لأول مرة، كدت اصاب بالجنون بعد معرفتي بالخبر ، يا الله كم كان ثقيلا، لم اعرف كيف سانظر اليك بعدها وانا اكذب.. كاد قلبي ينفطر وانا افكر فيك! 

” شو رح يصير فيه لو عرف! انا مش حقدر اتحمل اشوف بلال مكسور هيك..” ، اجلس بجانبك بعد هذا الخبر بيوم، لم يخبرك احد بعد، بس قلبك حس..

ابكي كثيرا.. وتخبرني ” ليش بتعيطي ؟ مبارح كنت منيحة” 

شو بدي احكيلك حبيبي؟ ابوك راح؟ يا الله .. 

تصلني في منتصف الليل رسالة منك..

– ابوي استشهد؟؟ امانة برقبتك حكيلي

= لا…

– مش حسامحك اذا ما بتحكيلي..

وتنهال الدموع علي كما لو انني احزن لاول مرة في عمري، ما هذا الألم كله؟ وين كل هاد كان مخبى يا الله! 

تمر ثلاثة ايام بعد ان هذا كله، ويرحل حبيبي من هذه الدنيا…

لم اتخيل يوما.. اني ساكون شاهدة على رحيله، ان ارى كل تلك التفاصيل المؤلمة، كيف لي ان انسى؟ كيف لجرحي ان يشفى؟ وهل ينسى هذا كله؟ 

منذ تلك اللحظة، لم ابكي ، ربما دمعة واحدة عابرة.. لم انطق حرفا واحدا 

منذ ذلك اليوم ، وانا لا اعرف نفسي 

احدث حبيبي طوال الوقت ، احدثه كما كان تماما

لم ابكي، اخد قلبي معه ، تجردت من شعوري

لذلك.. لم ابكي 

احدثه وابتسم، انظر الى صوره، الى الاحتفال الاخير بعيده الخامس والعشرين، اخبرني هو ” هاد احلى يوم في حياتي” 

لم يكن يحب مشاركة خصوصايته يوما.. 

سامحني حبيبي ، ما افعله عكس رغباتك 

لكن، عقلي الصغير لا يهدأ 

اصلي، اصلي كثيرا 

اصلي اكثر ما صليت في عمري كله 

اصلي.. كانني اعرف الصلاة لأول مرة.

اعلم ان الألم الاكبر لا زال ينتظرني في زاوية ما، لطالما ارهقنا هذا الحب يا حبيبي ،لم نتخلى عنه يوما.. 

اعرف بلال اكثر من الجميع، وهذا الذي لا يدركه احد، لم يعرف بلال احدا كما عرفته انا، ولم يرى بلال في ضعفه سواي.. لم يواسي بلال في حزنه احدا بقدري..

يخبرني الجميع عن امكانية استمرار الحياة بعد فقدان احدهم، لكن ارفض رفضا قاطعا التفكير في امكانية الحياة بدون وجودك هنا.. الى جانبي .

انظر الى احلامنا المعلقة، اجلنا الكثير منها لحين انتهاء الحرب ، لطالما تحدثنا عن تلك اللحظة، عن لحظة عودتي الي منزلي في غزة، وتخبرني ” الحرب باخرها حبيبتي، خلص هيها بتخلص” 

منذ رحيلك، وانا لم اعد اعرف معنى الخوف من اصوات الصواريخ، اسمع صوت سقوط الصاروخ وانفجاره ، ولا تهتز مني شعرة واحدة.. لم اعد اخاف ابدا ، فانا اعلم تماما، ان هذا الصاروخ لن يقتل حبيبي ، كل الصواريخ الان لن تقتلك ، هذه فكرة آمنة بالنسبة لي..

تحدثنا عن تخرجي من الجامعة كثيرا، وكم تمنينا سويا .. ان نخطب قبل موعد تخرجي ” ان شاء الله حنكون سوا قبل ما تتخرجي” .. كنا سنحاول كثيرا ، كثيرا جدا ، لم اتخرج بعد حبيبي، ولا احلم بالموضوع ابدا الان، لم تعد الحياة تعني لي شيئا ..ولا حتى انتهاء هذه الحرب .

بلال لم يعد موجودا ، هذا يعني.. 

-لا احلام بعد الان..

-لن نتحدث عن تفاصيل خطوبتنا ، ولا تجسيد لذلك الفستان الازرق الذي طالما حدثتك عنه.. 

-لا مكالمات صباحية معتادة ، تلك المكالمة كانت الشيء الوحيد الذي يعينني على كل ايام الحرب، من اجلها استيقظ صباحا..

-لن نخطط لباقي اسماء اولادنا ، لم نتنهي من تسميتهم جميعا بعد..

-لا مزيدا من اهداء الاغاني، قائمة الاغاني المهداة عمرها ٤ سنوات ونصف.. توقف عمرها هنا.

-لا مزيدا من الجدالات المتكررة، ولا مزيدا من الحزن

-لا مزيدا من المشاوير الخاطفة من نصيرات الى غزة، من اجل خمس دقائق عن بعد، نظرة سريعة..

-لا مزيدا من باقات الورود.. ، في غزة هناك، احتفظ بكل وردة اهديتني ياها، مجففة..بين الكتب 

-لا مزيدا من الهدايا .. كان بلال مميزا للغاية في اختيار الهدايا، كعادته ، العادية ليست من صفاته.

-لا مزيدا من الاحلام حول حفل تخرجي ،ما عاد فارق معي اتخرج…

-لا مزيدا من شراء الهدايا لك ايضا.. لطالما احببت ان اهديك الملابس، وكثيرا ما عبرت لي عن مدى اعجابك 

بذوقي في اختيار ملابسك..

-لن تتعرف عائلاتنا على بعض، كان هذا الموضوع يحمسنا دائما.

-لا مزيدا من الامان حبيبي.. 

عهدتك قوياً يا حبيبي.. شو صارلك؟ قدرو عليك؟

زعلتني..

ساقضي عمري كله ابكيك يا حبيبي

اخبرهم ” بالله ما بيتساهل اعيط عليه عمري كله؟ “

بتستاهل حبيبي، بتستاهل اضل ادعي طول عمري انه الله يجمعني فيك ، ليل نهار ما بفكر غير باللحظة الي رح اصير معك فيها.

اعرف تماما انك تشتاق لي.. كما اشتاق لك واكثر

واعرف انك تفتقدني كما أفتقدك واكثر. 

كيف لقلبي ان يحتمل كل هذا؟ تعرف مدى هشاشة قلبي، وتعلم ان قلبي ضعيفا ، لا يحتمل ربع ما يحدث حتى..لم يعرف قلبي احداً سواك، ولم ياخذ قلبي احداً سواك..اشعر بك هنا ..تحاوطني في كل ثانية

احبك بقدر ما غمرتني حباً في حياتك..

واحبك بقدر ما آلمني رحيلك حبيبي ..

ساعيش عمري كله لاتغنى بحنانك ، بقلبك الذي عشت فيه لسنوات طويلة ، بالدفئ ..آه من هذا الدفئ

لماذا كنت مثاليا لهذه الدرجة ؟ لماذا تؤلمني بهذا القدر؟ لماذا لم تترك لي متسعا لانسى كل هذا؟ 

وهل يُنسى هذا كله اصلا؟ 

سانتظرك، سانتظرك عمري كله يا حبيب روحي 

سانتظرك عمراً فوق عمري 

سانتظرك لنحقق احلامنا التي طالما حلمنا بها 

كتب على قصتنا ان تبقى بلا نهاية.. للابد

Habiba Al

١/٨/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة