كيف ينزح الناس في غزة ؟ |

كيف ينزح الناس في غزة ؟

تبدأ عملية النزوح عندما تطلب قوات الاحتلال إخلاء منطقة معينة، في نوفمبر قسمت قوات الاحتلال قطاع غزة لمربعات، كل مربع هو منطقة سكانية مُتجانسة تمثل جزءً من حي سكني، والناس هنا يحفظون ثلاثة أشياء سورة الفاتحة، والعلامات المميزة في أجساد أبناءهم، ورقم المربع الذي يقطن فيه .

صحيح أن هناك إرهاصات للاخلاء، لكن في العادة الناس تتحمل وتصبر حتى يخبرهم الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال بالاخلاء فوراً، وفي تلك اللحظة يبدأ الجدال حول هل أنت في المربع الذي يجب إخلاءه؟ والجميع يراجع الخريطة ويتأكد من موقعه الحالي! وما ان تتأكد من كونك من المنطقة المخلاة، تسأل نفسك سؤال المهم ” وين نروح ؟ ” وتبدأ بعقد عشرات الاتصالات باحثا عن مكان، مخزن، غرفة، خيمة أو حتى منزل مهجور حتى تنزح اليه ؟ ومع اشتداد القصف، تضطر أحيانا للمغادرة دون وجهه محددة، فيتوجه معظم الناس الى منطقة المواصي ويبحثون عن أي مكان فارغ لنصب خيمة . يعتبر اي مكان مؤهلا لوضع خيمة طالما كان قريبا من مصدر مياه و خدمات الانترنت .

الكثير من الناس يسألون لماذا يستجيب الناس لإخطارات الإخلاء ؟ في الحقيقة الناس ينزحون في المرحلة التي يتاح لهم فيها ذلك، لاحقا تبدأ قوات الاحتلال بقصف وتدمير المنطقة ويصبح النزوح حلماً .. حدثني صديق لي أنه عندما دخلت قوات الاحتلال لمخيم البريج بداية هذا العام لجأ الى مدرسة داخل المخيم، وهناك سأله الضابط الاسرائيلي لماذا لم تنزح ؟ فأجابه صديقي قائلا جميع الموجودين في المدرسة هم الذين لا يملكون المال للنزوح .. الذي يمتلك المال أو لديه سيارة خرج من هنا .. أما نحن لا يوجد مكان نذهب اليه! 

يقع مكتب المؤسسة التي أعمل بها قريباً من شارع صلاح الدين في دير البلح، اتصل بي رقم الجيش وطلب مني الإخلاء من المنطقة لأنهم سوف يعملون بقوة هناك على حد وصف المتصل . في الشارع كانت عشرات السيارات تتوجه نحو غرب دير البلح .

بمجرد نزوح الناس من خيامهم أو منازلهم يهاجم اللصوص المكان ويسلبون كل شيئ فيه ، لذلك أنت مضطر لحمل كل شيئ معك، قوات الاحتلال لا تطلق النيران على اللصوص وإن كانو مسلحين، مع غياب الأمن والضعف الذي يعتري (ح) أصبح اللصوص أكثر تنظيماً، يحملون أسلحة ويمتلكون سيارات وشاحنات .. إن العثور على وسيلة نقل لنقل خيمتك وممتلكاتك هو أمر مُجهد للغاية، معظم السائقين يطلبون أسعاراً باهظة الثمن للنقل ، لذلك أحيانا لا أستغرب عندما أسمع أن أحدهم نزح ماشيا 20 كيلو متر مشيا! 

عندما يعيش الناس في خيمة فهذا يتطلب منهم بناء مرحاض أولا، لأن عائلتك تحتاج لقضاء حاجتها . وهذا يتطلب حفر حفرة في الارض وبناء ما يشبه نظاما بدائيا للصرف الصحي . وهكذا يصبح هذا المرحاض جزء من الرحلة لأنك سوف تفككه في كل مرة تنزح .. إنه رفيق النزوح.

في العادة يتطلب التجهيز للاخلاء عدة دقائق فقط، معظم الأوراق والممتلكات المهمة هي في الأصل يتم حزّمُها مسبقا . عند النزوح الى مخيم للنازحين فإن عليك التنسيق مع شخص يطلقون عليه ” مندوب المخيم ” وهو مصطلح مُلطّف ومخفف لشخص عادة ما يكون قذراً وعديم النزاهة والمسؤولية ، يدير هذا الشخص المخيم، ويتعامل معه على أن المخيم ونازحيه هم ملكه الخاص، ويوكل اليه توزيع المساعدات الانسانية. وفي عملية النزوح أنت مضطر للتعامل مع هذا نوع من القاذورات البشرية. 

من المحزن أن الذين نزحوا من شرق دير البلح قد توجهو الى المغازي أمس، وهناك اقامو مخيم على أرض مساحتها 8 دونمات، وعندما باتو ليلتهم الأولى طلب منهم الاحتلال الاخلاء مرة أخرى .. وهكذا يعيدون الكرة مرة أخرى .

عبد الله شرشاره 

١٧/٨/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading