من مُغامرات النّجاة اليوميّة |

من مُغامرات النّجاة اليوميّة

خرجت من شمال القطاع متوجهًا نحو جنوبه، ليس استجابة لأوامر الاحتلال، بل لرغبة والدتي.

جاء هذا الخروج بعد حوالي شهرين من اندلاع الحرب، وذلك عندما وصلت الدبابات إلى حافة الشارع المؤدي إلى بيتنا في حي النصر أتذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله: عندما بدأت أصوات القصف المدفعي تمزق السماء، وصوت الطائرات الذي كان يحوم فوق رؤوسنا مثل طائر شؤم، وكيف كانت الوجوه تتحدث بلغة الخوف. في تلك اللحظات، حاولت أن أكون سندًا للجميع، لأن هذا ما تفرضه عليك الظروف الحالكة، وقد حاولت أن أبدو صلباً وأتصنع الطمأنينة، لكن أصوات المدافع كانت أعلى وأقوى من محاولاتي كلها. كل دقيقة كانت تمر ذلك اليوم تزيد من شدة القصف، وتفشل معها محاولاتي في تهدئة من هم حولي. بدأت الوجوه تنهار وتباعاً صار البكاء هو عنوان ما يحدث، وبدأت معه همسات تعلو بأن الوقت قد حان للرحيل، وأن البقاء لم يعد خيارًا. 

اُتخذ قرار الرحيل سريعًا، وبدأ الجميع بحزم ما يمكن من أمتعة في سباق مع الموت. جلسنا ننتظر لحظة هدوء للتحرك، لكن الهدوء لم يأتِ، بل استمر القصف وازداد صوت تناثر الحجارة جراء الضربات. بدا المنزل وكأنه يتعرض للقصف في طوابقه العلوية، لكننا كنا ننتظر لحظة الهدوء، التي لم تأتِ أبدًا. الصمت خيّم على المكان، والصوت الوحيد الذي كان يعلو فوق دوي المدافع كان صوت ضربات قلوبنا المتسارعة. قررنا أخيرًا أن نخرج ونركض نحو السيارة. كنا أكثر من أحد عشر شخصًا، لكن سيارتي الصغيرة لم تخذلنا واستوعبتنا جميعًا. بدأنا التحرك، وألقيت نظرة أخيرة عبر المرآة على منزل العائلة، وكأنها نظرة وداع بين شخصين أحدهما قرر البقاء والآخر قرر أن يغادر في عجالة. خرجنا من منطقة الخطر، وكان من المفترض أن أشعر بالطمأنينة لأننا خرجنا سالمين، لكن شيئًا ما قلب هذا الشعور رأسًا على عقب.ذلك الشعور بالخوف والندم والحسرة تملكني، شعرت بالعتب على نفسي لأني تركت كل شيء هناك، 

حتى هذه اللحظة ما زلت أشعر بالندم والعتب والخوف لأنني لم أصغِ لحديث وعتاب المنزل حيث تركته وحيدًا.

أنور الشيخ يوسف

٢٩/٨/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading