"دارنا" |

“دارنا”

تتوالى الاخبار السيئة .

راحت دار اهلي، خبر سقط على قلبي كالصاروخ منذ ثلاثة ايام

انقصفت دارنا، اليوم طرق مسامعي هذا الخبر المشين؟

انقصف بيت اخي من قبل صاروخ زنانة ضرب بيت اخي الاخر 

صيدلية اخي تدمرت 

بيت بنتي انحرق في غزة

بيت بنت اخي تدمر

نعود لدار اهلي، دارنا الحقيقية، دار أبوي وأربعة من اخوتي

دارنا، خرفية أبوي المتكررة والطويلة، احد إنجازات أبوي التي يفتخر بها ويكررها على مسامعنا كلما التفينا من حوله، بعد الان لم يعد لوالدي خرافية يرويها ولا إنجاز يفتخر به؟!

دارنا، فرحة امي عندما تحققت أمنيتها عام 1983 وأصبح لها قاع دار من بلاط، بلطنا نصف دارنا، ففرحت امي سرية واسرت لنا بامنيتها، كانت امنيتي أن يكون لنا قاع دار من بلاط حتى يسبح الطفل ولا تتسخ رطته؟! لم يعد لنا دار ولا بلاط يامه؟!

يامه… هدوا دارنا، دار اخوي ودارنا…. يامه…. يامه…. يامه.

دارنا، فرحة ابي عندما استلم غرفتين من الانروا عام 1960

دارنا، عندما توسعت غربا وبني ابي غرفة جديدة سميناها غرفة أبوي وامي، كانت أوسع من الغرفتين السابقتين 

دارنا، عندما توسع والدي غربا وأنشأ مصنع حجارة البلوك في اوائل ستينيات ق٢٠، هذه الحجارة اسقتها جرة سرية وهي تنقل المياه من حنفية المخيم، تضع جرة على رأسها واخرى تعبطها على خصرها، 

دارنا، عندما انتهى العمل في مصنع الحجارة وبنينا الغرفة الغربية، الغرفة الغربية لها اسماء عدة، غرفة عمي محمد، غرفة الضيوف، غرفة رياض، تميزت هذه الغرفة، إضافة إلى أسمائها المتعددة بوجود طقم كراسي خيزران فيها للضيوف، طاولة وكرسي لدراسة رياض، كرسي عليه كيس سكر، هاتف ارضي في بداية سبعينيات ق٢٠ فوق كيس السكر لخدمة كل سكان المخيم 

دارنا، عندما فرحنا في بداية السبعينات بتحويل معرش الجريد إلى معرش زينكو

دارنا، عندما ستينا الغرفة الوسطية وتزوج فيها عمي محمد ابو صائب وخلف فيها صائب ومنال

دارنا، عندما جددناها في 1983 وحولنا غرف الكرميد إلى اسبست وتحولت مدة/ارضية الأسمنت إلى بلاط وفرحت سرية 

دارنا، عندما تحولت الجهة الشرقية الى باطون وسكن في الشقة العلوية اخوتي عبدالله واحمد ومحمود

دارنا، عندما هدمنا الجهة الغربية من الدار عام 1996 واعدنا بنائها باطون لتكون عندنا صالة رائعة جميلة وواسعة، كم تجمعنا فيها في المناسبات الجميلة، كم عرس قام فيها، وكم استقبلت هذه الصالة من المعزين،

كم عيد أضحى مر على هذه الصالة نستقبل فيها المهنئين، نصب القهوة ونوزع التمور، نفرش فيها النيلون ونقسم ونوزع لحم ضحيتنا، وابوي يحمل دفتره وقلمه وهو ينادي على هذا وينهر على الآخر ويقاتل الثالث في منتهى النشوة والسعادة.

دارنا، عندما جمع أمجد قرشين وبنى نصف شقه لم تكتمل بعد، كنا ننوي أن نفرح بأحد شباب العائلة

دارنا يا دارنا …. دارنا راحت …. دارنا بح!!!

لاحظوا منذ سنة 1960 حتى سنة 1996، اي 36 سنة ونحن نبني ونعيد البناء ونبني من جديد حتى أصبحت دارنا على هذا الشكل، وفي لحظة واحدة قذيفة أو صاروخ ضيعت شقى 36 سنة، شقى عائلة كاملة، عائلة أكثر من 50 بني ادم؟!

دارنا، راحت ذكريات الحجة مريم، وغرفتها الشرقية، تولع النار من قشر اللوز في الصباح الباكر وتعمل الشاي، نجتمع حول النار نتناول طعام الافطار، خبز ونغمسه مع الشاي

غرفة الححة مريم، فيها سدة الطحين، وسلة الخبز معلقة حتى لا يطولها الصغار، وما لذ وطاب تخبيه الحجة بين الفرشات

دارنا…. ماذا احكي عن دارنا…. كيف لا ابكي دارنا…. عشنا فيها وتربينا فيها وتزوجنا فيها وخلفنا ابناءنا فيها، كل واحد من اخوتي ومرته وأولاده في غرفة، كل عمرنا وتعبنا وذكرياتنا وحياتنا في هذه الدار، كيف لا نبكيها، لا تنفع الكلمات في التخفيف من وطأة هذا الألم؟! 

دارنا، انا سكنت في الغرفة الغربية، أوسع غرفة في الدار، ابني محمود كان أصغر ابنائي في ذلك الوقت يسمي هذه الغرفة دارنا، يصر في الليل على أن يدخل كل ما نملك، بما فيه الشواحيط والعابه، عجل الكوشوك أو عربية من السلك داخل الغرفة، التي يسميها دارنا، غرفة فيها انا مع زوجتي ام غسان مع ولدي المرحوم غسان وبنتي بيسان، إضافة إلى ابني محمود.

رجعت من ليبيا عام 1991 وبقيت في دارنا، دار العائلة، في تلك الغرفة حتى شهر مايو 1995، بعد أن حج ابي وامي وعملت لهم غدا، اجتمعت عليه كل الحمولة والاصهار والاصدقاء، حملت اغراضي في سيارتي الفيات الزرقاء وانتقلت إلى بيتي الجديد في القرارة، الذي كان جاهزا ومعفشا منذ أكثر من شهر.

دارنا دار أبوي واخواتي، دار العز والجمعة والمحبة، أين سنلتقي بعد اليوم، هل سنجتمع مرة أخرى في الاعياد، هل سنجتمع في رمضان ونعمل إفطار جماعي نعزم عليه الاحبة والرحم، هل سنجتمع في عيد الأضحى لنوزع لحم ضحيتنا، 

دارنا، دار أبوي وسريره الملكي، من أين لأبي سرير مثله، خشب هذا السرير احضره عمي ابو صائب من إسرائيل في 1973 او حواليها 

دارنا، دار امي سرية التي كانت تحمي فيها شباب الحارة الهاربين من دوريات الجيش في الانتفاضة الاولى، صارت سرية ام الأسرى تخطب باسمهم في المهرجانات، وتغير اسمها من ام رياض إلى أم محمود؟!

دارنا، دار ابوي، دار حسن، أين سيستقبل حسن خواته، كانت شقة حسن تستقبل خواته ليعم الفرح على الجميع، ضاعت الشقة ياحسن، كيف سنتدبر امر حسن، آه يا حسن، الدار اوجعت قلبي من ثلاثة ايام، لكن انت اوجعت قلبي وعقلي.

راحت الدار…. راحت الذكريات…. وراح كل اشي حلو…….

لا استطيع ان اكمل، كفاية هيك… عيني لم تعد تحتمل دموعي المتساقطة، وقلبي يرف ولا يستطيع أن يواصل.

نرجو الله الا يزيد احزاننا ولا يفجعنا في احبابنا، اللهم أمين، المشوار مازال طويلا….. والأخبار لن تتوقف؟!

رياض عوّاد

١/٣/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading