ساحة الجندي المجهول |

ساحة الجندي المجهول

 واللهِ استخدمت (تزاحم) لتهذيب اللفظ وحفظًا لما تبقّى (إنْ تبقّى) من ماء وجه شعبنا، فالمشهد كان صادمًا مفتّتًا لبقايا النفس التي تدمّرت، وهو يحتاج لوصفه أفظع وأقسى لفظ في اللغة للتعبير عن الصراع من أجل البقاء/ غريزة البقاء. وحقيقة فإن أكثر ما يهين في ذلك المشهد، هو مكان نزول المظلة، في الجندي المجهول؟ هذا المكان الذي كنّا سخريةً ننازع أهل الجنوب عليه، نقول لهم هل تأتون لتحجّوا عندنا فيه؟ كنّا نكايدهم (ممازحةً) بجماله وتنوعه، كان مركز السياحة لكل القطاع من شماله لجنوبه، وفيه كل ما لذّ وطاب من الأطعمة وكل ما هو قيّم من الملابس والأشياء. وهو بالنسبة لأهل غزة فخر الرفاهية الغزاوية، ولو طُلب مني في يوم أن أختار كابوسًا لا يمكن أن يحصل، لم يكن يرد لذهني أن الناس تتنازع على رغيف الخبز فوق بعضها في ساحة الجندي المجهول! هذه الرمزية المقيتة لنهاية ما حصل لغزة، أن يتحول (شارع عمر المختار) لساحة خراب ونزاع على الطعام، وبهذا يمكننا اعتبار أن غزّة منطقة منكوبة لأبد الآبدين، فلا يمكن أن يمرَّ أحدنا مرةً أخرى من هناك حتى ولو صار شارع الشانزليزيه، دون أن يتذكر هذا المشهد المهين، وكأنهم يقولون لنا: سوف نهينكم في أكثر الأماكن رفاهية بالنسبة لكم، لتمسحوا من ذاكرتكم معنى الحياة. لقد جعلوا كل القطاع كابوسًا لا يمكن بأي شكل من الأشكال نسيانه أو تجاوزه، تحوّل القطاع إلى خرابة، كومة من القش الناشف الشائك، لا يمكنك أن تجد فيها إبرة الحياة.

حسن مطر

١٤/٣/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading