يومَ فَقَدتُ أمي  |

يومَ فَقَدتُ أمي 

كان فقد أمي أبشع اختبارات الفقد في حياتي، نوفمبر 2020. لم أتجاوز فقدها لوقت طويل كنت أنكر شكل مستقرها الجديد “قبر” ليس هذا مكان أمي بل علي أن أعود إلى البيت بأسرع وقت لأجدها هناك تجلس على كرسيها قبالة الباب أروي لها يومي، أبكي فتقول: معلش! أضحك فتقول: استمري. أتعب فتقول: اشتري راحتك أينما تكون! 

حافظت على خزانتها وملابسها استبدل الشتوي بالصيفي والصيفي بالشتوي حسب المواسم كنت أريد أمي طوال الوقت في البيت كان البيت أمي وأمي هي البيت. 

بعد وقت طويل تخليت عن وهمي العنيد واعترفت بمستقرها الجديد وبدأت ازورها هناك إذا ما هزمتني الحياة والحروب ذهبت إليها أبكي لأسمع صوتها المليء بالطمأنينة: “معلش” وكلما أنجزت ذهبت إليها لأسمع صوتها المشجع: “كملي” 

وأمسح عن شاهد قبرها الغبار عن اسمها الذي تحبه

“فاطمة محمود أبو مريم” كما كنت أمسح جبينها في آخر أيامها فترد بابتسامة خجلة أحبها فأقول لها “فطوم خبيني خبيني ببيت المونة” فتتسع بسمتها.

يوم التاسع من أكتوبر من عام 2023خرجت من بيتي وبسذاجة الأطفال اعتقدت أنني سأعود وأجد خزانة أمي بانتظاري فلم أستطع أن أحمل ثوب واحد من خزانتها. 

يوم الثالث عشر من أكتوبر قُصف البيت ووعدت نفسي أنني سأعود إلى قبر أمي واعتذر لها عن اهمالي وترك خزانتها تحت ركام البيت. وكلما سألني أحد عن أول شيء سأفعله بعد انتهاء الحرب. أرد: سأحاول إنقاذ خزانة أمي، وبعدها سأركض نحو قبرها أعتذر!

في بداية فبراير الحالي انسحبت آليات الاحتلال من بعض المناطق وخلفت دماراً هائلاً ومروعاً في المقبرة التي تحوى قبر أمي ومئات القبور ولم تترك أثراً لقبر قد يدل على الطريق إلى قبرها. 

كيف للغة أن تصف شعور طفل انتظر العودة إلى البيت على أحر من الجمر فقتلوا الأمل وأسبابه؟ 

لقد قتلوا البيت وبدائله! 

فِداء زايد

٢٤/٢/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة