الفستان الأحمر |

الفستان الأحمر

اليوم الأول من شهر فبراير ٢٠٢٤، الساعة الآن الثانية عشر منتصف الليل أجلس على فرشتي بجانبي أمي المتعبة من ثقل الأيام وفرشتها الأرضية، بينما تستمر الزنانة بالتحليق فوق رؤوسنا ويستمر صوتها بخرق منامنا. 

انظر إلى نافذة الغرفة ليسطع البرق يجاوره رعد، حدثًا طبيعيًا في أوضاع غير طبيعية! 

أربع حيطان، سقف، فرشة، لحاف، باب، ونافذة مكسورة الزجاج مغطاة بالنايلون الشفاف الا انهُ البرد قادراً على ان يتغلغل في داخلنا. فأعرف أنني مازلتُ دافئة مادمت قادرة على الشعور بالبرد. 

ام عن زميلتي في الخيمة لا يستأذن المطر قبل الدخول عليها، فتعرف معنى آخر للبرد في الحرب. 

اسأل الله ان كنت أستحق عطفه علينا، لِأدرك مدى حظي ان يهبني صديقة تستقبل عائلتي أول أيام النزوح! 

من انا لأشعر بكل هذا الاطمئنان؟ 

لا يلاحقني ذئب الجوع، انام على مخدة وفوقي لحاف، أجد اصدقائي حاضرين عند غضبي، فتصيبني هستريا الضحك لمثالية النزوح! فأشكر الله. 

خطوات الوقت أكثر ثقلًا، أهرول كعجوز تتعثر كلما حاولت النهوض. 

كان الوقت يرتشف خوفي على مهل، كل دقيقة تسلخني عن حاضري محاولة تذكر قبل سبعة أكتوبر، من أكون؟ 

جسدي الذي سار فوق الخراب لم يكن لي.

صوتي حين أحدث من معي، ليس صوتي.كل ما رأيته وكل ما أراه، كل تلك المشاهد والصور المعلقة في ذهني ليست لي. أكاد أنكر جسدي العابر فوق المجازر. 

ولأني لا اعرفني أضحك كذبًا، احدق بالطريق وتجاعيد الوجوه وعيون النازحين كذبًا، فأرى صورتي وأبكي، تواسيني مأساة غيري حين أعد على أصابعي وجعي. 

إلهي الذي حدثته قبل الحرب وبعدها، أحدثك الآن، لتذكرني بي! من أنا يالله؟ ولما أنا هنآ الآن؟ كيف حدث كل ذلك؟ ولما يحدث؟ 

إلهي الذي حدثته طويلًا، لم أعد أعرف قيمة السؤال مادامت الإجابات المبهمة تحاصرنا، ولم تعد لدي قدرة على السؤال، حتى استنفذت كل الاسئلة. 

اليوم الثالث من شهر فبراير 2024، فقدت في اليوم الاول من الشهر بيتي! لم يعد لي بيت. 

عزيزي البيت القابع غرب الكرامة، شارع الخزندار بالقرب من أرض المحاربين القدامى، أكتب لك من خلف وهم الممر الامن، من خلف الموت الذي يلاحقنا، من خلف الدمار. وأعرف انك لا تريد مني رسالة مادامت أبنتك العاقة التي تركتك في أصعب الأوقات لم تتنيك وتطويك لتضعك في حقيبتها لتدرك حقيقتها أنها خائنة، ولكنني في الحقيقة كنتُ خائفة. أعرف آسفي لن يعيد عمدان البيت، ولا ألومك على الوقوع. 

هذه رسالة تعزية لكل تفاصيلك المتروكة تحت الركام والمدفونة فينا مادمنا قادرين على التنفس. 

سلام لنخلة البيت الواقفة على الباب، مازلت قادرة على الوقوف؟ ولشجرة تمر حنة التي أزهرت في شارعنا كعيد ميلاد من مر عنها فرك يديه بزهرها المعطر بروح امي، لشجرة الفلورا الممتدة فوق سور البيت سلام، ولكل أيادي أطفال الحي حين يتهافتون لحباتها الحمراء سلام، لعصافير الشمس الفلسطينية التي عششت عليها سلام.

لشجرة الزيتون التي نصبح بوجهها حين تشرق الشمس من نافذة غرفة ابي وأمي، ولمريم شجرة الظل في منزلنا أعرف جيدًا يا مريم كم تحبين ميار حين تأتي بكوب الماء إليك تحدثك عن نهارها وهي تمرر أصابعها عليك. لجوار النعنع على شباك غرفتي ست سنوات أعتني بك، مزهرًا كل الفصول على عكس طبيعتك، كان الجميع يتعجب حين تكون أخضرًا في الشتاء، أعرف بأنني تركتك وحيدًا تمر بموتك دون ان تمتزج بجسدي ولم يكن دمي كأسك الأخير. ولو كنت أعرف لحملتك بيدي ولكن عشمي من الدنيا كان ان يظل البيت كله. ولكل البيت سلام.

صور زفاف امي وابي وصور اخوتي لمكتبة والدي وكتبي، لوسادتي، لحافي، ملابسي، فساتيني المعلقة، ولشجرة الميلاد وزينتها سلام. 

ايها البيت العزيز، يعز علينا ان تموت وحيدًا، يعز علينا ان تتركنا وحيدين، يوجعنا آننا عرفنا بعد إنسحاب جيش الاحتلال الاسرائيلي. 

كم ليلة كنت وحدك تبكي! كم ليلة كان صدى صوتنا في داخلك كالترانيم! وماذا فعلت قبل سقوطك الاخير؟ 

لم تسعفك حكايتنا؟ ضحكاتنا؟ بكائنا؟ صراخنا؟ ومشاكلنا؟ احتفالاتنا؟ لما لم يسعفك شال جدتي على سريري؟ وصلاة امي؟ لم تسعفك اكواب الشاي وكعك العيد؟ 

لم يسعفك مشهد أول خطوة لهُ على عتبتك وانا أنتظر؟ والوداع حين كان بابتسامات يقتلها الرحيل؟ حينها استيقظت الحساسين ليلًا لتغني لي، وظللت تعيد ظلهُ كلما شعرت بطول الطريق.

لا أريد ان يعيدوا لي شيئًا أريد ان أعرف من أنا وكلي تحت الركام انازع. 

أريد لبيتي كما هو لا أحسن منه ولا أريد مواساة بعبارات تقلل من حجم فاجعتي، كل هذا الحزن في عيون ابي وامي لي، وقهرهم لي، أرفض كل الأيادي التي تطبطب على كتفي لتسكت وجعي. وليس من حق أحد ان يرتب فوضى شتائمي. 

عزيزي البيت، 

الشريط الأحمر بين ركامك أعرفه، هذا فستاني الأحمر، احبهُ. ليتنا كنا جسدًا واحدًا كي أنبش عني تحت ركامنا فتعرفني. 

محبتك دومًا 

والاقل إخلاصًا لك

بيسان عبد الرّحيم

٣/٢/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading