الجوّافة، أول شجرة تعلّمت زراعتها، وصرت أسقيها كلما عطشتُ وجعتُ ولعبتُ ومللتُ وهربتُ من الدراسة أو العقاب، وكلما تسلّقت شجرة جدي وأغراني مذاقها بالبقاء بين أغضانها وتحمّست لأن تكبر شجرتي وتصير مثلها.
كبرت شجرتي، ليست كشجرة جدي طبعًا، لكنها صارت تحمل ثمارًا، وصرت أزعل وأبكي إن أكل منها أحدٌ غيري، بحجة أنها أطيب من شجرة جدهم التي يتباهون بها. كبرتُ أنا، وعرفتُ أنها ليست كذلك، وأن شجرة جدي التي صرت آكل منها خلسة بعدما تظاهرت بأن شجرتي أطيب منها هي أشهى وأحلى وأزكى شجرة جوّافة في الكون.
لا أحبها صفراء ناضجة، أفضل أكلها خضراء قبل أن تنضج بقليل، وأحيانًا لا أصبر وأقطفها وهي في حجم ثمرة التين. أظن أنني تذوقت كل ثمار الجوّافة في غزّة، أكلتها من شجرات العائلة، وبائعي الخضرة في الأسواق والمحلات والمولات والشوارع، من حدائق بيوت الجيران والأصدقاء والغرباء، من الأراضي غير المسيجة، ومن أي شجرة تقابلني أو أقابلها.
أحب الجوافة، ولم تخفّف الحرب من حبي لها، كل يوم أشتري حبة من البائعين في سوق دير البلح، لكن هذه المرة ليست من أجل رغبتي في تذوق أي ثمرة جوّافة أراها، بل لعلني أجد واحدة قريبة من مذاق شجرة جدي، وتأخذني ولو بخيالي وشعوري إلى هناك، لكن عبث.
اليوم اتصلت على خالي، وخطر في بالي أن أطلب منه أن يهرّب لي ولو حبة واحدة في جيب قميص أي سائق شحن، لكنني تذكرت أن جدي لم يسقِ شجرته هذا العام، وأن لحمه تكوّم في حفرة فيها، ولا بد من أنها الآن صارت أمرّ شجرة جوافة في الكون، وستخنقني إن تذوقتها.
فسألته عن شجرات البيت، قال لي حُرقت كلها، لكن اطمئني، جوافتك لا زالت صامدة.
يا إلهي، لهذا الحد تغار من شجرة جدي؟
ربما … تنتظرني!
شروق دُغمُش
٨/٩/٢٠٢٤


