سِلسلة أبي |

سِلسلة أبي

أضعت الكثير، وفقدت الأكثر
ولم أبحث مرة عن شيء فقدته، بل دائماً أجده مصادفة.
بعد تخرجي من الصف السادس أهداني أبي “سلسلة ذهبية” بحرف اسمي وعند العشرين فقدته لم أبحث عنه، يوم أهداني اياه أبي رأيت لمعة في عينيه وهو يدور بيني وبين شقيقاتي يهدي كل منا هديتها.
أنا الوحيدة التي أضاعت هديتها في العشرين وكلما رأيت ماء الشتاء في الأرض تذكرت سلسلة حرف اسمي.
مر شتاء وحين جاء الثاني وجدته مصادفة بين كومة غبار.
لم أرتديه بعدها بل خبأته وصرت أمر ببرك ماء الشتاء عمداً كي أذكر لمعة عيني أبي.
صارت هذه حيلتي في الفقد
كل مفقود سأجده بعد حين، سأصادفه بعد قليل.
ماتت أمي في الثلاثين فوقفت أمام جثمانها أنكر موتها
كنت أهرب نحو كل الوجوه التي تشبه وجهها لأراها فيه.
أرتدي فساتينها وأقف أمام مرآتها وأقول
اشتقت لك.
كلما تهت في طريق هربت نحو سريرها واخترت مكان نومها ونمت.
كلما هزمني قلق وأرق جلست في مطبخها وطحنت الهيل.
كان البيت عطره هيلها الذي تحبه.
أنكرت أن أقول لي أم ميتة.
قالت لي صديقتي أنني لوحت بيدي لجثمانها وهو يخرج من الباب.
لكنني أنكرت الفعل وضربت صدرها بذات اليد التي قالت أنني لوحت بها.
أجلت بكاء كثيراً منذ ذاك الوقت
قالت النساء وقتها إنني أقوى من أشقائي.
لم يروا بكائي
لكنني أضعفهم بل أشد النساء ضعفاً في مواجهة الوداع
الوداع وحش
وحش كبير
أخشاه
أهرب منه دائماً
قال لي أستاذي مرة بعد أن انتهيت من قراءة نص: أفضل من يجيد القول عن كل لحظة!
قلت: إلا لحظة الوداع!
تبكي النساء
تقول اهزوجة
تناجي النساء
إلا أنا استسلم لموج من صمت
وأغرق به!
قتلت الحرب هنادي صديقتي “الأم” ولم يعرف لها قبر أو جثة وكأن القدر يعاقبني على عنادي أمام الوداع.
أذكر أن هنادي استعارت مرة فستاناً وحين عرفت أنني سألمحها في الحفل اختبأت مني وكانت تحاول ألا أراها.
منذ ذاك الحين وأنا أنتظر هنادي أن تظهر من خلف شقيقتها وتقول:
كيف الفستان؟!
وها أنا أؤجل اجابتي على طلتها بالفستان!
مقتربة من عام!
#فصول_الدهشة_ومحاولات_النجاة
فِداء زيّاد
١١/٩/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading