ثَروَتي |

ثَروَتي

لم أرِثْ مالاً لكنّني ورثتُ ثَروةً لا تُقدَّر بِثَمن. كَومة صُوَر كنتُ أحرص مع كُل انتقال إلى بَلَدٍ أو بيتٍ جديدٍ أن تكونَ أوّل ما أضعه في الحقيبة. حافظتُ عليها عاماً تلوَ العام وعقداً تلوَ العِقد وقطعتُ عهداً على نفسي أن أُخلّفها لِمَن بَعدي مثلما تناقلها السّابِقون من قِبلي إلى أن وصلتني. فلطالما قيلَ في الصّورة أنّها أبلغُ من الكلمة. هِيَ الأصدَق تعبيراً عن ذِكرى ولّت والأكثر نزاهةً بِشهادتها على واقِعٍ مَضى. الصّورة قُوّة تَدحَض زَيفَ الأساطير وناقوسٌ كُلّما قُرِع سوفَ يوقِظُ النّيام وكابوسٌ سيظّل يُطارِد الجُناة. هِيَ مِفتاح صَون الرّوايّة وجِسر العُبور بها من الماضي نحوَ المُستقبَل.

  

لَم يكُن إلتقاط الصّور في الماضي على هذه الدّرجة من السّهولة كما اليوم. ولم يكُن “الأيفون” مُتوفرّاً في الجَيب تستطيع أن تُخرجَه في أي لحظة لتلتقِطَ صوراً تِذكاريّة تحتفظ بها في ألبوم أو تُعلّقها على حائِط. مع ذلك، فقد كانَت الصّورة بما تحملهُ مِن ذكرياتٍ ذات قيمة لا تُقدّر بثمن. رُبّما لأنّ السّالفين أدركوا أن القادِمَ أعظَم وبأنّ الخافي من النّكبات والنكسات والإنتكاسات يتطلّب صُوراً ورقيّة محسوسة باليد تحمل كُل واحدة مِنها قصّة مِن واقعٍ ما زالَ راسِخاً في الذّاكرة الفردية والجَمعيّة معاً.

أمّا وأن وجدتُ هذه “التّركة” بين يَدي اليوم، لم تَجنِ عليها أزمنةٌ أو تُتلِفها دُهور أو تُبعثرُها صراعات وحُروب كما فعَلَت مع بَشَرٍ كُثُر، فهذا مِن حُسن حظّي. صحيح أنّكّ تعيش في فضاءٍ تكنولوجي باتَ فيه من السّهل إلتقاط آلاف الصّور بِلَمح البَصَر وبكبسة زِر ولكّن للهواتِف النقّالة كما البشر أعمار…قد تَفنى أو تَضيع منكَ فجأة بكُل ما تُخَزّنه من ذِكريات. 

 

“ثروتي” جِسرٌ عبرتُ بها من ماضٍ إلى حاضِر. وَضعتُها في صندوق أحكمتُ إغلاقَه. حَملتُه معي مِن مكانٍ إلى مكان ومِن زمانٍ إلى زمان. ولم أنسَ طبعاً أن أحتفظ بصورَتَين اثنتَين في مِحفظتي قد أخرجهما لأريهما لحفيدٍ قد يُباغِتُني يوماً بسؤالٍ عَن أصله وفصله أو أستعينَ بهما لأتحدّى أحداً يتَنكّر لجذوري.

 لَم يورِثني السّابقون هذه الثروة فحَسب وإنّما غرسوا في عَقلي تقليدَ الإحتفاظ بها الأمر الذي حثّني لأن أواظِبَ منذُ اليوم الأوّل على تحويل كُل صورة رقمية “ديجيتال” ألتقِطُها بجهاز الهاتِف خاصتي إلى صورة “ورقيّة” أُخبِئها في قلبي بكُل ما تَستحضرهُ من ذكريات على حُلوِها ومُرّها. فالصُّور باقيّةٌ تتناقلُها أجيالٌ بعد أجيال. تظّل شاهدة على “الرّواية”…لا بَل هِيَ الرّواية ذاتها التي ستقِف في وجه مَن يُحاولَ النَيل من صحتها ويزوّرها أو يسخَر بِشعوذاته مِن أصحابِها.

 

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading