شَهِدَت الأيّام الأخيرة التي تَلَت سِلسِلة اعتداءات إجراميّة نفذّها الاحتلال الاسرائيلي ضد حزب اللّه في لُبنان من خلال تفجير أجهزة “البيجر” و”اللاسلكي” وَتَنفيذ عددٍ من الاغتيالات التي طالَت قِيادات وعناصر في “الحزب” مَوجة ساخنة من السّجال على وسائل التّواصل الاجتماعي بينَ فِلسطينيين أَعربوا عن تَضامنهم مع حزب اللّه من جهة وسوريين عبّرّوا عن شماتَتِهم به، حَسب ما فُهِم من منشوراتهم وكِتاباتهم وتَغريداتِهم، من جهة أخرى.
ولم يتوقّف الأخذ والرّد الذي تحوّلّ أحياناً إلى رَدح عند هذا الحَد بَل راحَ الفلسطينيّون ومعهم سوريّون بالمُقابِل إلى تخوين كُل مَن سَخِرَ من حِزب اللّه وقُدراته العسكريّة والاستخباراتيّة واتّهامه بالعمالة كون هذه المواقف “تأتي في مرحلة حسّاسّة تتطلّب التّرفع عن القيام بأي جردات حِساب”.
وما بين حانا ومانا، فقد كانَت الأصوات الدّاعيّة إلى إدانة واضحة لجرائم الاحتلال الاسرائيلي في غزّة وفي لُبنان وإلى عدم إغفال التّذكير في الوقت ذاته بما ارتكبه “حزب اللّه” من استباحة لدماء السّوريين شبه غائبة عن حَلبات الفضاء الافتراضي.
رُبّما يَعود ذلك إلى بقايا إرثٍ نشأنا عليه وتوارثناه أباً عن جِد يَقول، “لا صوت يعلو فوق أصوات المعارك”.
وللمُفارقة الغريبة العَجيبة أنّ مَن انخرَطَ من السّوريين والفلسطينيين في “النّقاش” على وسائل التّواصل الاجتماعي في هذا الشأن، سواء مِن مُوالين مُخضرمين لِنِظام دمشق أو مِمَن عارضوه في الماضي ومن ثمّ “اهتدوا باللّه” و”ارتدّوا” عن مُعاداته كون بشّار الأسد استطاع بألاعيبه وخلط الأوراق قطع الشّك باليقين وإقناعهم أنّ زواله يعني الفوضى، مِن هؤلاء مَن كانَ ذاتَ يوم يَرفُض بشدّة خِطاب تَخوين الآخر بسبب الاختلاف بالرأي أو الاجتهاد أو الموقِف، خاصةً وانّ هذا النّهج القَمعي مِن موروث مَدارِس نِظام “المُمانعة” الاستبدادي.
يتساءِل المُتابِع وهو يقرأ كُل هذا، متى وكيفَ وصلنا إلى هُنا؟!
كيفَ لِفلسطيني أو سوري مِمّن كانَ يَدعو في ماضٍ قَريب إلى خِطابٍ عقلاني بَعيداً عن الوقوع في فَخ ثُنائيّات وجوب الاختيار بين الخير المُطلَق أو الشّر المُطلَق أن يتبّنى اليوم خِطاباً شعبويّاً مُماثِلاً لا يَصُّب في مصلحة السوريين ولا الفلسطينيين على حَدٍّ سواء، وإنّما يُراكِم عَفناً فوق عفنٍ وخطأً فوق خطأ وسُقوطاً فوق سُقوط؟!
فهَل فكّر السّوري الذي خرج يُطالب قبل ثلاثة عشرة عاماً بالحُريّة والكَرامة واتّهمه بشّار الأسد بالخيانة “والتآمر على سيدة الوطن” في الضّرر الذي يَعود على صورته عِندما يَفرَح بالسّر أو بالعلن للضربات الاسرائيليّة على حزب اللّه؟!
وهل يُدرِك الفلسطيني، بالمُقابل، الذي راكَم نِضالات عبر عُقود من أجل استعادة حقوقه المَشروعة وانهاء الاحتلال ونيل الاستقلال حالَة الانفصام الغارِق بها وهو يُطالِب برَفع الظّلم الواقِع عليه بينَما يُدير الظّهر للقهر الذي تعرّض له شقيقه السّوري على يَد نِظام مُستبِد وميليشيات مُناصرة له؟!
إن “تَهليل” السّوري للضربات الاسرائيليّة، سواء كانَ مُتعمّداً أو عفوياً، بسبب مُبايعة حزب اللّه لِنظام دمشق ومُشاركته في سفك الدّم السوري من جهة، ووقوف الفلسطيني قلباً وقالِباً مع “حزب اللّه” مُتجاهِلاً ما ارتكبه “الأخير” من انتهاكات بحق أخيه السّوري من جهة أخرى ليسَ إلّا دَليلاً دامِغاً آخراً على بؤس الحال الذي وصلنا إليه!
إن كُنّا عاجِزين، كفلسطينيين وَسوريين، إلى هذه الدّرجة عن التأسيس لِخطابٍ جامِعٍ يَقوم على إحكام العلاقة بين رفض ظُلم احتلال “الغريب” وقهر استبداد “القريب”، فكيفَ لنا أن نصِل إلى تَحقيق العدالة فعليّاً؟! كيف؟!
إنّ أكثر ما نَحتاج إليه اليّوم هو استعادة البوصلة المفقودة التي نالَ منها التّشويش والتّشويه ما يكفي ويزيد كَي ننجو من حالة الضّياع والإرباك والتّخبّط التي نعيشها. وهذا بدوره من الصّعب أن يتحقّق دونَ العمل على بلورة خِطاب مُشترك وواضِح يُعيد الاعتبار إلى الإنسان كقيمة بشريّة من لحمٍ ودمٍ، له مشاعره وأحلامه وتطّلعاته نحو مُستقبلٍ آمِن بعيداً عن الاستمرار بِهَدر كرامته وإذلاله وبهدلته.
فهل نحنُ على قَدر المسؤوليّة لنعمل على إحكام الرّبط بين قضايانا العادلة؟! هَل يستعصي علينا تَوحيد خِطابِنا بحيثُ نَدين الجَريمة، أي جَريمة، بغض النّظر عمّن يُنّفِذها ومَن يقع ضحيّتها بعيداً عن المُهاترات الشعبويّة والمُزايدات المنفوخة التي لا تُغني ولا تُسمِن ولا تَصّب في تَحقيق الأهداف التي نسعى إليها؟! هل نملُك أن نَستَعيد لُحمَتَنا كَشعوب مَهمومة فرّقّها مُحتَل غَريب جُغرافيّاً من جهة، وأنظمة أشعلت نيران الفِتن والحُروب فيما بينها حِفاظاً على كراسيها من جهة أخرى؟!
إن لم نستّطِع أن نَفعَل من أجلنا، فلنُحاوِل من أجل الأجيال القادمة على الأقّل، أم تراني أدور في فلكٍ من الرّومانسيّات باتَت فيها مثل هذه التّمنيّات مُجرّد ترف خياليّ من سابِع المُستحيلات أن يتحقّق؟!
كُل ما في الأمر باختصار أنّني لا أرضى أن يُقال في سوري وطني رفعَ يوماً راية الحُريّة في وجه نِظام مُستبِد أنّه “مع اسرائيل” بِقدر ما لا أريد أن أسمع يوماً مَن يقول أن الفلسطيني مُنافِق، يُحلّل الحُريّة لنفسه ويُحرّمها على الآخر.


