غزّاويون يَستحضرون ذِكرياتهم ما قبل السّابِع من أكتوبر   |

غزّاويون يَستحضرون ذِكرياتهم ما قبل السّابِع من أكتوبر  

 

ديما هاني

العام الماضي في مثل هذا اليوم 6_10 أعلنت صغيرتي تولين الشقية انها ستحتفل على غير العادة بعيد مولدها في البيت وانها لن تقبل بكعكة عيد الميلاد تقليدية لقد اصرت على والدي أن يحضر لها طبق كبير من الكنافة النابلسية وهي حلوى محبوبة في البلاد ونفذ أبي طلب تولين كما أحبت انه لا يستطيع أن يرفض لفتياته طلب ما ، احتفلنا بتولين الجميلة وفي هذه اللحظة الموثقة طلبت من صغيرتي أن تغمض عينها وان تتمنى أمنية لعلها قد تمنت أن تكبر أو أن ترتدي فستان مزكش كما احبت أن تذهب الي ملاهي أو حديقة مليئة بالازهار أو أن تأكل المزيد من الكنافة النابلسية أنا لا استطيع التحدث عنك يا تولين اليوم قلبي محروق وعقلي صامت كل ما اتذكره اني في آخر ايام قبل فراقنا احتضنتكِ كثيراً وضممتك إلى صدري وارتويت وهذا عزائي الوحيد ولكني حزينة أنني لن أحضى يا صغيرتي بعناق دافئ آخر أتذكر جيدا عناقك لقد علق في ذاكرة جسدي لن انساه 

إلى طفلتي الجميلة المتفوقة التي تفوق سنها ذكاء محبوبة الحي و الجيران الى القوية التي كنت لطالما أرى فيها قوتي وسندي يوما ما وداعاً وعيد ميلاد سعيد بوجودك يوما ما معنا على هذه الأرض الحمد لله والمجد والخلود لروحك ورح امي واخواتي وحب كبير يجمعنا قد لا يسعنا هذا العالم لكن الى لقاء ، ارقدي بسلام حيث لا موت لطفل يا حبيبتي

 

أسماء الغول

من سنة مثل الآن انقطعت عن دراستي تماما في معهد اللغة الفرنسية..بدأت الحرب وخرجت من الفصل ولم أعد…كانت الحرب تحرق..شديدة الألم..لا نوم.. رعب وبكاء كل يوم..ثم تعودنا على ما لا يجب التعود عليه..تعودنا على القتل والخيبة واحترقنا للأبد مع المحروقين.. 

بعد عام كلمني المعهد وقال لي هناك فرصة للدراسة من جديد. ..فعدت للدراسة منذ أسبوعين وانا أنوي الحياة مرة أخرى بعد سنة من كوني أتنفس جسدا ميتة روحا…وعند كل انجاز صغير أشعر بالفرح..وكل قاعدة أتقنها ترجع لي الرغبة في العيش.. تفاصيل الحياة جارفة كالموت تماما

اليوم في هذه الذكرى المؤلمة..كنت مثل طائر يفتح ويغلق جناحيه فلا يطير ولا يحط…وقد لاحظت معلمتي أنني لست معها..فسألتني عما جرى لي..قلت لها مثل اليوم غادرت الحياة… والان أحاول العودة لكن الحرب تأخذني للوراء دوما..لا يمكن أعيش ووالدي يعاني في خيمة وناسي يقتلون..وفوق ذلك لا يستطيعون الاعتراض..اربد أن أنسى لكن الحرب لا تنساني…

.. أرجوكم أتركوني أعيش

وسأعود غدا لمعلمتي اثبت لها إنني أستحق المديح وليس التعاطف…

حسن القطراوي 

في مساء السادس من أكتوبر الماضي كنت في طريق عودتي للبيت بعد انتهاء حفل التخرج الذي أقامته جامعة الأقصى،

طعم الفرح لا زال في فمي، 

أتذوقه جيدًا،

لستُ وحدي،

كل الطلبة الذين استمتعوا بأجواء الحفل، كانت هذه آخر لحظة فرح عاشوها منذ سنة، منذ سنة بالضبط كانت آخر ضحكة، وآخر أمل،

وآخر نومة هادئة،

مئات رحلوا، 

آلاف صاروا عبيدًا للحرب، 

في الحفل رأيت فرحة عائلات الطلبة كأنها فراشات ترتحِل من زهرة إلى زهرة، تأخذ من كل ضحكة صورة، 

بهجة تحتل القلوب، 

ساعات وتغيّر كل شيء،

الفرح إلى مأتم، والحُب إلى رعب، 

منذ سنة والدم ساخِن،

ولا زال،

 

مرح الوادية

هذا اليوم من السنة الماضية كان يُصادف “الجمعة”.. الناس صلّت في المساجد، روحت لأكلة الأسبوع اللي كلنا بنحب نجتمع عليها وكلنا بنكون متفقين عليها. ريّحنا بعد الغدا، بعدين عادة معظم الناس بغزة بتطلع يوم الجمعة. طلعنا مشوار لفّة عالبحر، من السودانية لـ”محور نتساريم” حاليا. شارع البحر كان بجنن. كورنيش غزة مليان بسطات لبيع القهوة والذرة المسلوقة والمشوية، الناس فارشين الشط وقاعدين. شي بيسبح، شي بغني، شي بيلعب كرة وشي بياكل بزر. وأما عن حديثنا المشترك، كلنا كنا مبهورين بهذا الجمال والبساطة ودايما بتجمعنا أمنية “لو غزة مفتوحة على العالم ومش محاصرة بس”. يا غزة والله ما في بعدك بلاد ولا قبلك بلاد. غزة حبيبتنا كلنا بشبابها وبناتها وكبارها وصغارها وشوارعها وحاراتها. هذه غزة الحنونة عزيزة وغالية علينا كلنا، في رعايتك يا رب

 

شجاع الصفدي 

ليس يوما عاديا، ويصعب أن يمر دون أن تصيبك شظاياه ، ولا يمكن أن تكتب دون أن تعبر حقلا من الألغام، علامات استفهام عملاقة ومتفجرة، تفتح عليك أبوابا من الانتقادات والسخط،فالناس منقسمة ما بين ساخط مكتظ بالحزن والألم ، وبين مدافع يرى في اليوم ذكرى بطولية خالدة ، وكل من الفئتين يرى فيمن يخالفه الرأي عدوا بغيضا.

ولا أبالغ إن قلت أن الاعتدال وإمساك العصا من المنتصف فيما يخص السابع من أكتوبر من أصعب ما يمكن أن يواجه الكاتب الصادق الذي لا يحابي ولا يكتب مأجورا، ولا يسعى لرضا أحد .

فقط على المرء إن وجبت الكتابة أن يكون صادقا مع نفسه ويطرح الحقائق والواقع، مدركا أن إرضاء الناس غاية مستحيلة.

لا بد من مقدمة كهذه عندما تتناول قضية حساسة صنعت فجوة واسعة بين أبناء الشعب الواحد، الشعب المنقسم أساسا وازدادت فُرقته حدةً بعد حدث السابع من أكتوبر.

اليوم ينقضي عام كامل على أكبر عملية عسكرية ضد الاحتلا.ل، والتي اعتبرها كثيرون انتصارا مسبقا مهما كانت النتائج، وما زالوا يصرّون على ذلك ، وهو في الأغلب رأي المطل من بعيد على غزة،ورأي غالبية المناصرين والمنتمين لحركة حما.س .

بينما في الجانب الآخر يبرز رأي الشارع، الشعب الذي يتعرض لأبشع مقتلة بشرية في العصر الحديث، تجري أمام صمت عالمي مفجع، وهذه الفئة هي أرباب المعاناة الذين فقدوا أسرهم وبيوتهم وكل شقاء أعمارهم، ويرون ما حدث اندفاعا ومقامرة ألقت بهم إلى الجحيم هكذا ببساطة!.

حتى اليقين بأي الفئتين على حق بات مستحيلا، من يدفع الثمن وينزف لن يقنعه أي شيء أنه على باطل، ومن تأخذه نشوة الجولة التكتيكية سيبقى مصرا على موقفه، وجَسر الهوّة ما بينهما مستحيل.

والسؤال المنطقي الذي يبرز أمام أي حدث ،ما هي الإنجازات التي حققها ،وما الذي خسرناه، والمقارنة ما بينهما يجعل الميزان دقيقا وعادلا .

فهل تتساوى المكاسب بالخسائر في السابع من أكتوبر كحدث مركزي في تاريخ الثورة الفلسطينية؟

هل حقق الهجوم إنجازا استراتيجيا واقعيا؟ أم أنه كان إنجازا تكتيكيا عابرا والخسائر الفادحة ما بعده تستوجب وقفة ومراجعة للأخطاء ؟.

ولأن شعبنا وفصائلنا بالفطرة لا تؤمن بنظرية الخطأ، ونستمر في خلق المبررات مثل محامي بارع لا يمكن أن نحظى بحكم عادل على الأمور .

نجحت حما.س باختراق الحدود، ونفذت عملية كبيرة، حسابات عسكرية جيدة تحسب لها، وحققت ما اعتبرَتْه كسرا لنظرية الأمن لدى الاحتلا.ل .

لكن عند الحديث عن الأهداف المخطط لها، نجد أن شيئا لم يتحقق منها بعد مرور عام على الحر.ب المدمرة التي سحقت قطاع غزة كاملا، وعندما نقول ذلك ترد الفئة المدافعة بأن الحرب لم تنتهِ والتقييم يأتي لاحقا، وهذا خطأ كبير، عدم خضوع الخطوات للتقييم كل لحظة خلال المسار يجعل الأخطاء تتفاقم وتصبح نتائجها أشد سوءا ، لذلك دوما تدارك الخطأ فور وقوعه أجدى بكثير من إكمال السير في منعطف خاطيء، ليس معقولا أن تستقل قطارا خاطئا ولا تنزل في أول محطة فور اكتشافك الأمر، هكذا تقول الحكمة.

بعد عام من التدمير، على حما.س مراجعة الذات، ماذا حققت من أهداف الحرب المعلنة؟

أليس واضحا أن سقف المطالب الذي تدنّى لأقل الحقوق ؟

أسرانا و هدف تبييض السجون ماذا حدث لهم؟، هل يشعر أحد بحجم التضييق عليهم وخنقهم في الزنازين؟.

ماذا عن المقدسات واستباحتها؟، ماذا عن الاستفراد بمخيمات الضفة الغربية؟ .

ماذا عن سيطرة الاحتلا.ل على محاور مركزية تشطر قطاع غزة شطرين؟

كل المحرّمات التي كان يخشى الاحتلا.ل ارتكابها حدثت بفداحة، وهذا كله لم يكن في الحسابات العسكرية عند اتخاذ القرار، ولا يمكن إنكار أن حالة النشوة بنجاح الهجوم جعلت التغافل عن باقي التفاصيل سيد الموقف.

حتى الساحات التي كان يراهن عليها تضررت بشكل فادح غير متوقع،ولم يكن لتدخلها تأثير حقيقي على مجريات القتال أو وقف النزيف الغزّي ،بل استفرد الاحتلا.ل بكل جبهة وفعل ما يريد وأكثر ،ومن لا يريد أن يرى النتائج العسكرية لما حققه الاحتلا.ل هو ذاته من يصر على تجاهل الأخطاء ،ويكمل في القطار الخاطيء ويأبى النزول عند أقرب محطة .

لا نريد اللوم وإلقاء الاتهامات الآن، ليس لذلك جدوى، فما وقع يحتاج معالجة تصحيحية شاملة، والمضي نحو توافق وطني عام، ربما ينجح في إعادة الروح المفقودة لغزة ويجعلها تنهض من الخراب، أو الاستمرار في منعطف خاطيء سيهدر كل مقدّرات الشعب، ويستنزف الحالة المقا.ومة حد النفاد، وهذا خطر كارثي يستوجب تفاديه قبل فوات الأوان.

 

مريم أبو قوش

أغلقت اللاب توب، ووضعت كأس الشاي الذي لم أنهه حينذاك، حملتُ حقيبتي وأردت الخروج من المنزل.. وقفتُ أمام الباب للحظة، وخطر ببالي أمر عجيب، قلتُ لنفسي

: ينبغي عليّ أن أصلي الفجر في البيت لا في المدرسة هذا اليوم، ستقوم الحرب بعد قليل، ولن أدرك الفجر اذا لم أصله الآن.

عدت وصليت وخرجت من البيت قلقة، لا أعلم كيف خطر لي ذلك، ولا أدري كيف تنبأت حواسي بذلك.. 

خرجت من البيت، لم يكن ثمة شيء غير عادي، كل شيء في مكانه الصباحي المعتاد، المصلون العائدون من صلاة الفجر، المخابز التي تفتح أبوابها، برد الفجر المحبب إلي، بائع الفلافل يرفع يده بالتحية حينما مررت به، بائع المشروبات الساخنة يجهز أكواب الكرتون، سيارات نادرة في الطريق، موظفون قلة يقطعون الطريق.. لابد أن أعمالهم في الشمال، فالساعة الآن الخامسة والنصف فجرا..

مشيتُ طويلا لأمل رئتيَّ برائحة المخيم، ثم انعطفتُ يمينًا للمخبز الذي يقع في مدخل المخيم.. 

تهمس في أذني صديقتي لميس: تصرّين أن نفطر كل يوم لبنا.. لنأخذ شيئا آخر اليوم.. 

فأجببها ضاحكةً: لقد سمنّا قليلا! ألا تلاحظين؟

تقهقه وهي تقول: تقصدين سمنّا كثيرا!

وقبل أن أفتح محفظتي لأدفع لصاحب المخبز أثمان ما اشترينا، حتى شعرت بالأرض تميد تحتنا كأنه زلال، تشبثتُ بلميس، نظرت في عينيها، وقبل أن أسألها: ماذا هناك؟

بدأت أسمع صوتا يشبه صوت غليان الماء، قفز محاسب المخبز للبوابة، ورمى نظره شرقا وقال: ما تخافوش.. شكلها مناورات.. لكن.. 

وقبل أن يكمل حديثه، بدأت الأرض تصعد للسماء بكل أثقالها، والغبار الثقيل يتطاير حولنا في كل مكان.. 

انقلب الحال رأسا على عقب، وتذكرت ما قالته لي نبوءة الفجر، بأن الحرب ستقوم هذا اليوم.. 

وبلا وعي قلت للميس: لميس! انها للحرب.. 

الأرض تصعد أكثر، والأصوات ترتفع اكثر، والناس كالجراد باتوا يخرجون من بيوتهم وينتشرون في كل مكان.. والمسلحون باتوا يملؤون الشوارع.. نظرت لساعتي، كانت السادسة وعشر دقائق صباحا! 

لميس تقول لي بصوت مرتجف: سأذهب للمدرسة.. وأنتظر من هناك التعليمات..

فأجبتها: اذهبي للبيت، مدرستنا حدودية؛ إذا وصلنا هناك لن نتمكن من أن نعود.. أنا عائدة للبيت.. وأنت افعلي مثلي . 

أخذت أركض للبيت، لحسن حظي كان هاتفي بيدي، فإذ به أخي أحمد يقول لي: قفي في مدخل المخيم ولا تتحركي.. سآخذك بالسيارة 

: لا تخرج من البيت، لا أحد يفهم شيئا، لا تقلق.. سأتصرف بنفسي.. عشر دقائق سأكون في المنزل.. 

كنت أركض، ومع كل صوت ينتزعُ العشبَ ويصعد أنكمش ثم أقف.. ثم أركض.. حتى سمعت صوت أحمد من الجهة الأخرى: أنا هنا! توقفي.. 

ركبت السيارة، وهو يتحدث مع نفسه: قلت لك قفي في مدخل المخيم! متى ستتوقفين عن العناد ..

: وأنا قلت لك سأعود وحدي.. لماذا خرجت من البيت؟

في الحقيقة، كنت خائفة عليه من أن يأتي، ولكن بمجرد أن رأيت السيارة رأيت فيها طوق النجاة.. لم تتوقف الأرض عن الصعود! لا أعلم كيف وصلت للبيت، لكن كل الذي أدركته من اللحظة الأولى أنها حرب طويلة.. ليست كأي حرب مررنا بها!

سألت أبي بمجرد أن رأيته: ماذا هناك؟!

في الحقيقة لم يكن احدنا يفهم شيئا! وها قد مرّ عام! ونحن لا ندرك شيئا! مر عام كامل وما تزال الساعة إلى الآن السادسة وعشر دقائق! كأن الوقت لم يمر!

أريد أن تعود الساعة إلى ما قبل السادسة! فأنا لم أبدأ يومي بعد..

 

كريم أبو ضاحي

في مثل هذا اليوم من العام الماضي كان يوم جمعة، ذهب أطفالي صباحا لمطعم زهران واشتروا الفول والفلافل، كعادتنا يوم الجمعة، يجب أن تحتوي سفرة إفطارنا على الفول والفلافل، كنت سعيدا لأن أبنائي كبروا وأصبحوا يذهبون وحدهم للمطعم، كان يوما عاديا هادئا، لم يكن يوحي بشيء مختلف. ذهبت بعدها لبيت والدتي وتناولنا القهوة، كان يروق لأمي دائما تصوير البحر، هي تسكن في الطابق العاشر، مشهد البحر من شرفتها كان كقطعة من الجنة، وأمازحها كعادتي قائلا: كان لازم تشتغلي مصورة.

أخبرتها أن تنزل بعد ساعتين لنتناول الغذاء سويا، ملوخية ودجاج سوف أشتريه جاهزا من مطعم الجرجاوي” دجاج الشواية الذي لا يضاهيه طعم”.

تناولنا الغذاء وكان شهيا، لم أشعر حينها أيضا أن هذا الغذاء سوف يبقى علامة خالدة.

مساء الجمعة أخبرني كنان أنه يريد أن يعود غدا السبت من مدرسته هو وبيسان ليجد ساندويش فاهيتا من مطعم الأمير، حيث كان مؤخرا يعشق هذا الساندويش. 

صباح السبت، فتحت عيني لأجد ابنتي بيسان تقول لي: بابا في أصوات صواريخ لكني سوف أذهب أنا وكنان للمدرسة، قلت لها إصبري لأعلم ماذا يجري، فتحت التلفاز لأحاول فهم ما يجري، بدأت الأخبار ترشح تباعا، قلت لأطفالي أن يبدلوا ثياب المدرسة، أخذت حقيبتنا الجاهزة التي تحوي أوراقنا وشهادتنا المهمة ووضعتها على طاولة السفرة، لنأخذها معنا في حال تركنا المنزل.

وبالمناسبة لا أدرك عدد المرات التي وضعت فيها تلك الحقيبة على طاولة السفرة في الصالون، مرات كثيرة فعلت ذلك، لكن بدا لي أن هذه المرة ستكون مختلفة.

بعد يومين فقط، خرجت أنا وأمي وزوجتي وأطفالي من المنزل ولم نعد.

طار البيت في الهواء، طار أيضا الشارع المؤدي للبيت، ولم أفي بوعدي بإحضار الفاهيتا لكنان، حيث رحل المطعم أيضا. مدرسة أطفالي أيضا أصبحت من الماضي، ولن تصور أمي البحر مرة أخرى، ولن نشتري الفول من زهران، حيث انضم مطعمه لقائمة ذكرياتنا المفقودة، عرفنا حينها أننا في يوم الجمعة كنا نودع كل شيء دون أن نعلم، كان يوما وداعيا للبيت، البحر، الشارع، لرؤية أطفالي بثياب المدرسة، ولكل شيء في غزة.

 

د. أسماء حميد أبو موسى

سنظلُّ أسارى شوقنا والحنين، نقاوم الأسى بالذكرى لكل ما غاب ومن غاب نحاول أن نحفظ عليهم صورتهم ما قبل الأخيرة تلك التي ملأنا منها العين والقلب دون أن ندري أن سيف الوداع قادم قاطعٌ بتَّار!

تبَّت يد العالم! 

 

أحمد مُرتجى

عامٌ كامل، 

قلت/ قلنا خلاله كل شيء؛ ولم يحرّك ذلك شيئًا فيكم/ فيهم. 

لذلك ومنذ مدةّ، قررت التزام الصمت مثلكم تمامًا، فالكلام هنا لا وزنَ له، ما دامت الإبادة فينا (نحن) مستمرة. 

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading