ماتَ أهلُ غزّة جميعهم |

ماتَ أهلُ غزّة جميعهم

الحزن إن لم يأخذ حقه في أن يعكس نفسه، ويعيشه صاحبه بفُسحة من يعيش الحزن، فسيتحول إلى رصيد جنون فظيع في النفس البشرية.. هذا ما يحدث هنا. هنا في أرض السافلين المُسماة غزة. لم يعُد الناس مجرد حزانى ومكلومين وأولياء دمٍ ومأتم… بل تحولوا لمجرد أثقال تشبه الكائنات، تدور في ساقية وعلى كتفيها النير؛ تحرث أرض الدم، وتبحث في الخراب عن نفسٍ تشبه الأنفس..
مجانين صامتون، يجوبون الفراغ باحثين عن الامتلاء، الامتلاء بالنواقص التامّة التي تحيط بكليّة الموجود والموجودين الفارغين من السؤال عن أسباب الحزن وطرق التعبير عنه.. الجنون المختزل في صداقة الدمار وعراقة السعي للوصول إلى ما يغذّي هذا الكُنه المشبوه.. ومن أجل ماذا؟ من أجل الاستمرار في هذه المقتلة مُنتظرين مقبلين غير مدبرين.. يبحثون عن شيء ما، يشبه ما أراده ديوجانس ربما.. وهو ينهر بوجه الإسكندر أن دع نفسك قليلا لتدخل الشمس، هذه الشمس المعتمة الملطخة بالنجاة العبثية من النجاة الموضوعية.. المحاطة بقتامة المشهود وعدوانية الشاهد، والتي ستكبر كنبتة لا يعرفها الضوء إلا عبر الثقوب..
هؤلاء الذين أورثتهم المواعيد عقدةَ تأجيل البكاء إلى أن يأخذ الموتُ أنفاسه قليلا، لكنهم كالذي يسكب ماء فوق رمال المنطار ذات ظهيرة.. كل الذي يكون سراب في سراب، يماثل لغة الخائف المتأكد من دقّة خوفه وصوابية جهته.. لقد جُنّوا جميعا، وصاروا يدركون في كل مسار مستقيم وجها تداخلت خطوطُ تكويناته وملامحه..
مات أهلُ غزة جميعهم وإن كان ثمّة بقية فالبقية لأجساد دامية تواصل خصومةَ موت الأشياء والأرواح والمعاني والمواعيد.. أجساد عمياء تذرف دما.

هاشم عبد الكريم شلولة
٨/١٢/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة