حقيبة النزوح الثقيلة |

حقيبة النزوح الثقيلة

ماذا آخذ معي وماذا سأترك في رحلة الوجع الطويل للمنفى؟!
منذ ظهر أمس. وأنا أتفرج في بيتي غرفة غرفة زاوية زاوية، لا أدري.. ماذا سآخذ معي وماذا سأترك؟ كل ما أثّث شخصيتي هنا، هنا خلاصة العالم. هنا عصارة التكوين. هنا البدء والمنتهى. أسألني وأنا أقلب مقتنيات الذاكرة. هل أحمل معي مكتبة جدي؟ أم أكتفي بديوان محمود درويش الذي لم أنهه بعد؟ هل أحمل ديوان ابن الفارض الذي كنت أنوي الشروع فيه غدا.. أم المراجع التي شحنتها من لبنان والأردن لأجل رسالة الدكتوراه … يا إلهي! الأشياء تتكدس أمامي. تختزل عمري كله.. فتصغر الدنيا أمامي تصغر وتصغر كلما تأملتها أكثر. هذه غرفتي التي قد لا أعود إليها! أمامي البيانو الكبير، بجانبه مجموعة النوتات التي كتبتها قبل الحرب.. وتحفٌ صغيرة تزين كتفه، يعلوه رف دروعي التكريمية وشهاداتي.
ها هو مكتبي عليه الكأس الأزرق المنقوش الذي أحبه. هذا اللاب توب.. بجانبه مصحفي والمعجم المنجد وقصائد لم أكملها بعد.. وكتب نقش عليها الأصدقاء توقيعاتهم ذات أمل.
هنا زاويةٌ أخرى أحبها، مرآتي التي قرأت عينيّ وذاكرتي، هنا صندوق إكسسواراتي، اخترت لكل قطعة منها ذاكرةً بعناية، ألبوم صوري، أقراط جدتي.. وخاتم أمي الذي أهدتني إياه ومسبحتها.. صندوق أدويتي.. كانت طبيبة القلب تقول لي دومًا: عليك أن تهدئي! لا أدري كيف بوسعي أن أهدأ؟ وأنا وجها لوجه أمام المنفى.
ماذا آخذ معي في حقيبتي وماذا أترك؟ هل أحمل أيضًا شباك غرفتي المطلة على بيارة البرتقال؟ هل أحمل ليمونة الدار، والجدار؟ هل بوسعي أن أحمل معي بيتي للمنفى؟ هل آخذ مفتاح سيارتي.. أم أكتفي بحمل الدرب الطويل على كتفي وأمضي دونما ذاكرة؟
لا أدري ما أصنع. هل أترك كل شيء وأغلق الباب وأكتفي بمفتاح بيتنا؟
يقول أبي وهو ينهي حزم الأمتعة: اتركوا كل شيء مكانه. يومان فقط وسنعود!
أسألني وهو ينظر للفراغ الكوني الكبير: أبي! ما رأيك أن نبقى هنا كزيتونة الدار؟
تتحجر في عينيه دمعة ثقيلة وهو يمعن النظر في الزيتونة ويقول: يومان فقط وسنعود!
قلتُ له: وماذا إذا لم نعد؟ لقد قال جدي قبل سبعين عاما يومان وسنعود . ومات وفي جيبه المفتاح ولم يعد! أخبرني أبي ماذا إذا لم نعد؟
♡| هذا النص كتبته قبل عام! وقد مر عام، وما نزال نحمل المنفى وننزح به من مكان لآخر
#مريم_قوش
#غزة #فلسطين
٢٤/١٢/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading