نَجيّة النّاجيّة |

نَجيّة النّاجيّة

أنت “الناجي”، ذاك الذي لم يختر النجاة، بل قُذِف بها على حين غرة، كأنك لست أكثر من ورقة هشة في مهب إعصار لا ينتهي. كيف نجوت؟ كيف مررت بتلك الحروب كلها؟ لا أحد يعلم. لا أحد يدرك كم هو ثقيل أن تحمل لقب “الناجي” وأنت تعلم أنه لم يكن خيارك، بل مجرد صدفة عمياء، رمية نرد أصابت غيرك ولم تصبك بعد.
تبحث عن شعور بالانتماء، عن وطن بلا جدران مغلقة، عن ملاذ يمكنك أن تسميه بيتًا، لكن كل الطرق التي تسلكها تؤدي إلى متاهات جديدة. تركض بين الوحوش في وضح النهار، وتغوص في أعماق ظلامك كل مساء، تحاول أن تصدق أنك بأمان ولو للحظة، لكن الحقيقة دائمًا تهمس في أذنك: النجاة ليست إلا محطة مؤقتة، دورك لم يحن بعد.
في خيمتك الصغيرة، تلك التي لا تحميك من الرياح ولا من الذكريات، تجلس وحيدًا، تحمل وجعك كحمل ثقيل لا ينتهي. تنظر حولك وتدرك أن هذا “التقدم” الذي حققته لم يكن سوى سلسلة من الانكسارات: كل خطوة لم تكن خطوة للأمام، بل دفعة من الرياح العاتية، كل غارة بعثرتك أكثر، كل زحفٍ ترك جرحًا أعمق.
أنت متعب. سئمت الترحال بين أوطانٍ لا تنتمي إليها، بين مدنٍ لا تعترف بك، سئمت البحث عن شبرٍ واحدٍ يمكنك أن تطلق عليه “وطن”. تشعر وكأن حدود المدينة تقترب من نهايتها، وأنت ما زلت تتنقل بلا وجهة، لا شيء يمنحك اليقين بأنك أخيرًا قد وصلت.
وفي وحدتك تلك، حين ينكسر الليل على رأسك ويُحيط بك الصمت، تدرك الحقيقة التي تحاول الهرب منها: أنت لست ناجيًا. أنت خائف. معطوب. روحك مشحونة بغضبٍ كامن، ثورة تتآكلها الأيام، انهيار ينتظر اللحظة المناسبة ليحدث.
إنك هنا الآن، لكنك لست هنا حقًا. جسدك نجا، أما روحك فهي سجينة حربٍ لم تُغلق أبوابها بعد، معركة لم تعترف يومًا بنهايتها.
نجيّة محمود
٣٠/١٢/٢٠٢٤

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading